ثمرة . كل نبتة وكل شجرة . كل حشرة وكل زاحفة . كل حيوان وكل إنسان . كل دابة على الأرض وكل سابحة في الماء والهواء . . ومعها سكان السماء . . كلها تسبح الله وتتوجه إليه في علاه . وإن الوجدان ليرتعش وهو يستشعر الحياة تدب في كل ما حوله مما يراه ومما لا يراه , وكلما همت يده أن تلمس شيئا , وكلما همت رجله أن تطأ شيئا . . سمعه يسبح لله , وينبض بالحياة .
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده)يسبح بطريقته ولغته (ولكن لا تفقهون تسبيحهم)لا تفقهونه لأنكم محجوبون بصفاقة الطين , ولأنكم لم تتسمعوا بقلوبكم , ولم توجهوها إلى أسرار الوجود الخفية , وإلى النواميس التي تنجذب إليها كل ذرة في هذا الكون الكبير , وتتوجه بها إلى خالق النواميس , ومدبر هذا الكون الكبير .
وحين تشف الروح وتصفو فتتسمع لكل متحرك أو ساكن وهو ينبض بالروح , ويتوجه بالتسبيح , فإنها تتهيأ للاتصال بالملأ الأعلى , وتدرك من أسرار هذا الوجود ما لا يدركه الغافلون , الذين تحول صفاقة الطين بين قلوبهم وبين الحياة الخفية الساربة في ضمير هذا الوجود , النابضة في كل متحرك وساكن , وفي كل شيء في هذا الوجود .
(إنه كان حليما غفورا). . وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب الكوني المسبح بحمد الله , بينما البشر في جحود وفيهم من يشرك بالله , ومن ينسب له البنات , ومن يغفل عن حمده وتسبيحه . والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد . ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ عزيز مقتدر . ولكنه يمهلهم ويذكرهم ويعظهم ويزجرهم (إنه كان حليما غفورا).
الدرس الثاني:45 الحجب المانعة من تدبر الكفار للقرآن وشبهاتهم حوله
ولقد كان كبراء قريش يستمعون إلى القرآن , ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له , ويمانعون فطرتهم أن تتأثر به ; فجعل الله بينهم وبين الرسول حجابا , حجابا خفيا , وجعل على قلوبهم كالأغلفة فلا تفقه القرآن , وجعل في آذانهم كالصمم فلا تعي ما فيه من توجيه:
(وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا . نحن أعلم بما يستمعون به , إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى . إذ يقول الظالمون:إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . انظر كيف ضربوا لك الأمثال , فضلوا فلا يستطيعون سبيلا). .
وقد روى ابن اسحاق في السيرة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله [ ص ] وهو يصلي بالليل في بيته ; فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا , فقال بعضهم لبعض:لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعهم الطريق . فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعتهم الطريق ; فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود . فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم