خرج حتى أتي أبا سفيان بن حرب في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . قال:يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا , والذي حلفت به . قال:ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته ; فقال:يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:ماذا سمعت ? قال:تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف:أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ! قال فقام عنه الأخنس وتركه . . فهكذا كان القوم تتأثر بالقرآن فطرتهم فيصدونها , وتجاذبهم إليه قلوبهم فيمانعونها , فجعل الله بينهم وبين الرسول حجابا خفيا لا يظهر للعيون ولكن تحسه القلوب , فإذا هم لا ينتفعون به , ولا يهتدون بالقرآن الذي يتلوه . وهكذا كانوا يتناجون بما أصاب قلوبهم من القرآن , ثم يتآمرون على عدم الاستماع إليه ; ثم يغلبهم التأثر به فيعودون , ثم يتناجون من جديد , حتى ليتعاهدون على عدم العودة ليحجزوا أنفسهم عن هذا القرآن المؤثر الجذاب الذي يخلب القلوب والألباب ! ذلك أن عقيدة التوحيد التي يدور عليها هذا القرآن كانت تهددهم في مكانتهم وفي امتيازاتهم وفي كبريائهم فينفرون منها:
(وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا). .
نفورا من كلمة التوحيد , التي تهدد وضعهم الاجتماعي , القائم على أوهام الوثنية وتقاليد الجاهلية , وإلا فقد كان كبراء قريش أذكى من أن يخفى عليهم ما في عقائدهم من تهافت , وما في الإسلام من تماسك , وأعرف بالقول من أن يغيب عنهم ما في القرآن من سمو وارتفاع وامتياز . وهم الذين لم يكونوا يملكون أنفسهم من الاستماع إليه والتأثر به , على شدة ما يمانعون قلوبهم ويدافعونها !
ولقد كانت الفطرة تدفعهم إلى التسمع والتأثر ; والكبرياء تدفعهم عن التسليم والإذعان ; فيطلقون التهم على الرسول [ ص ] يعتذرون بها عن المكابرة والعناد:
(إذ يقول الظالمون:إن تتبعون إلا رجلا مسحورا). .
وهذه الكلمة ذاتها تحمل في ثناياها دليل تأثرهم بالقرآن ; فهم يستكثرون في دخيلتهم أن يكون هذا قول بشر ; لأنهم يحسون فيه شيئا غير بشري . ويحسون دبيبه الخفي في مشاعرهم فينسبون قائله إلى السحر , يرجعون إليه هذه الغرابة في قوله , وهذا التميز في حديثه , وهذا التفوق في نظمه . فمحمد إذن لا ينطق عن نفسه , إنما ينطق عن السحر بقوة غير قوة البشر ! ولو أنصفوا لقالوا:إنه من عند الله , فما يمكن أن يقول هذا إنسان , ولا خلق آخر من خلق الله .
(انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا). .
ضربوا لك الأمثال بالمسحورين ولست بمسحور , إنما أنت رسول , فضلوا ولم يهتدوا , وحاروا فلم يجدوا طريقا يسلكونه . لا إلى الهدى , ولا إلى تعليل موقفهم المريب !
الدرس الثالث:49 - 52 ذم وتهديد الكفار لتكذيبهم بالبعث والآخرة
ذلك قولهم عن القرآن , وعن الرسول [ ص ] وهو يتلو عليهم القرآن . كذلك كذبوا بالبعث , وكفروا بالآخرة: