(وقالوا:أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ? قل:كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم . فسيقولون:من يعيدنا ? قل:الذي فطركم أول مرة . فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون:متى هو ? قل:عسى أن يكون قريبا , يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا). .
وقد كانت قضية البعث مثار جدل طويل بين الرسول [ ص ] والمشركين , واشتمل القرآن الكريم على الكثير من هذا الجدل . مع بساطة هذه القضية ووضوحها عند من يتصور طبيعة الحياة والموت , وطبيعة البعث والحشر . ولقد عرضها القرآن الكريم في هذا الضوء مرات . ولكن القوم لم يكونوا يتصورونها بهذا الوضوح وبتلك البساطة ; فكان يصعب عليهم تصور البعث بعد البلى والفناء المسلط على الأجسام:
(وقالوا:أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا)?
ذلك أنهم لم يكونوا يتدبرون أنهم لم يكونوا أحياء أصلا ثم كانوا , وأن النشأة الآخرة ليست أعسر من النشأة الأولى . وأنه لا شيء أمام القدرة الإلهية أعسر من شيء , وأداة الخلق واحدة في كل شيء: (كن فيكون)فيستوي إذن أن يكون الشيء سهلا وأن يكون صعبا في نظر الناس , متى توجهت الإرادة الإلهية إليه .
وكان الرد على ذلك التعجب:
(قل:كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم). .
والعظام والرفات فيها رائحة البشرية وفيها ذكرى الحياة ; والحديد والحجارة أبعد عن الحياة . فيقال لهم:
كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر أو غل في البعد عن الحياة من الحجارة والحديد مما يكبر في صدوركم أن تتصوروه وقد نفخت فيه الحياة . . فسيبعثكم الله .
وهم لا يملكون أن يكونوا حجارة أو حديدا أو خلقا آخر ولكنه قول للتحدي . وفيه كذلك ظل التوبيخ والتقريع , فالحجارة والحديد جماد لا يحس ولا يتأثر , وفي هذا إيماء من بعيد إلى ما في تصورهم من جمود وتحجر !
(فسيقولون:من يعيدنا)?
من يردنا إلى الحياة إن كنا رفاتا وعظاما , أو خلقا آخر أشد إيغالا في الموت والخمود ? (قل:الذي فطركم أول مرة). .
وهو رد يرجع المشكلة إلى تصور بسيط واضح مريح . فالذي أنشاهم إنشاء قادر على أن يردهم أحياء . ولكنهم لا ينتفعون به ولا يقتنعون:
(فسينغضون إليك رؤوسهم)ينغضونها علوا أو سفلا , استنكارا و استهزاء:
(ويقولون:متى هو ?):استبعادا لهذا الحادث واستنكارا .
(قل:عسى أن يكون قريبا). .
فالرسول لا يعلم موعده تحديدا . ولكن لعله أقرب مما يظنون . وما أجدرهم أن يخشوا وقوعه وهم في غفلتهم يكذبون ويستهزئون !
ثم يرسم مشهدا سريعا لذلك اليوم:
(يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده , وتظنون إن لبثتم إلا قليلا). .
وهو مشهد يصور أولئك المكذبين بالبعث المنكرين له , وقد قاموا يلبون دعوة الداعي , وألسنتهم تلهج بحمد