ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما:هاتوا لنا تمرا وزبدا , وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول:تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا !
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ? وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ?
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد [ ص ] وللأجيال بعده , فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال , يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب , وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا , وأنفع للإسلام من كثير سبقوه . .
الدرس الثاني:61 - 65 قصة آدم مع إبليس
وفي ظل الرؤيا التي رآها الرسول [ ص ] واطلع فيها على ما اطلع من عوالم , والشجرة الملعونة التي يطعم منها أتباع الشياطين . . يجيء مشهد إبليس الملعون , يهدد ويتوعد بإغواء الضالين:
(وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم . فسجدوا إلا إبليس . قال:أأسجد لمن خلقت طينا ? قال:أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال:اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا . واستفزز من استطعت منهم بصوتك , وأجلب عليهم بخيلك ورجلك , وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم . وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . وكفى بربك وكيلا). .
إن السياق يكشف عن الأسباب الأصيلة لضلال الضالين , فيعرض هذا المشهد هنا , ليحذر الناس وهم يطلعون على أسباب الغواية , ويرون إبليس عدوهم وعدو أبيهم يتهددهم بها , عن إصرار سابق قديم !
(وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال:أأسجد لمن خلقت طينا ?)
إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة الله في هذا الطين !
ويعرض إبليس بضعف هذا المخلوق واستعداده للغواية , فيقول في تبجح:
(أرأيتك هذا الذي كرمت علي)أترى هذا المخلوق الذي جعلته أكرم مني عندك ?
(لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا). . فلأستولين عليهم وأحتويهم وأملك زمامهم وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم .
ويغفل إبليس عن استعداد الإنسان للخير والهداية استعداده للشر والغواية . عن حالته التي يكون فيها متصلا بالله فيرتفع ويسمو ويعتصم من الشر والغواية , ويغفل عن أن هذه هي مزية هذا المخلوق التي ترفعه على ذوي الطبيعة المفردة التي لا تعرف إلا طريقا واحدا تسلكه بلا إرادة . فالإرادة هي سر هذا المخلوق العجيب .
وتشاء إرادة الله أن يطلق لرسول الشر والغواية الزمام , يحاول محاولته مع بني الإنسان: