(قال:اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا). .
اذهب فحاول محاولتك . اذهب مأذونا في إغوائهم . فهم مزودون بالعقل والإرادة , يملكون أن يتبعوك أو يعرضوا عنك (فمن تبعك منهم)مغلبا جانب الغواية في نفسه على جانب الهداية , معرضا عن نداء الرحمن إلى نداء الشيطان , غافلا عن آيات الله في الكون , وآيات الله المصاحبة للرسالات , (فإن جهنم جزاؤكم)أنت وتابعوك (جزاء موفورا).
(واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك).
وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة , والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول . فهي المعركة الصاخبة , تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجل على طريقة المعارك والمبارزات . يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة , أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة . فإذا استدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل , وأحاطت بهم الرجال !
(وشاركهم في الأموال والأولاد). .
وهذه الشركة تتمثل في أوهام الوثنية الجاهلية , إذ كانوا يجعلون في أموالهم نصيبا للآلهة المدعاة - فهي للشيطان - وفي أولادهم نذورا للآلهة أو عبيدا لها - فهي للشيطان - كعبد اللات وعبد مناة . وأحيانا كانوا يجعلونها للشيطان رأسا كعبد الحارث !
كما تتمثل في كل مال يجبى من حرام , أو يتصرف فيه بغير حق , أو ينفق في إثم . وفي كل ولد يجيء من حرام . ففيه شركة للشيطان .
والتعبير يصور في عمومه شركة تقوم بين إبليس وأتباعه تشمل الأموال والأولاد وهما قوام الحياة !
وإبليس مأذون في أن يستخدم وسائله كلها , ومنها الوعود المغرية المخادعة: (وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص . والوعد بالغنى من الأسباب الحرام . والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل القذرة والأساليب الخسيسة . . .
ولعل أشد الوعود إغراء الوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة ; وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة . فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة , ويزين لها الخطيئة وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية وشمول العفو والمغفرة !
اذهب مأذونا في إغواء من يجنحون إليك . ولكن هنالك من لا سلطان لك عليهم , لأنهم مزودون بحصانة تمنعهم منك ومن خيلك ورجلك !
(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . وكفى بربك وكيلا). .
فمتى اتصل القلب بالله , واتجه إليه بالعبادة . متى ارتبط بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها . متى أيقظ في روحه النفخة العلوية فأشرقت وأنارت . . فلا سلطان حينئذ للشيطان على ذلك القلب الموصول بالله , وهذا الروح المشرق بنور الإيمان . . (وكفى بربك وكيلا)يعصم وينصر ويبطل كيد الشيطان .
وانطلق الشيطان ينفذ وعيده , ويستذل عبيده , ولكنه لا يجرؤ على عباد الرحمن , فما له عليهم من سلطان .
الدرس الثالث:66 - 69 نعم الله في ركوب البحر وتهديد الكفار بالغرق
ذلك ما يبيته الشيطان للناس من شر وأذى ; ثم يوجد في الناس من يتبعون هذا الشيطان , ويستمعون إليه ,