لذلك امتن الله على رسوله [ ص ] أن ثبته على ما أوحى الله , وعصمه من فتنة المشركين له , ووقاه الركون إليهم - ولو قليلا - ورحمه من عاقبة هذا الركون , وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفا , وفقدان المعين والنصير .
وعندما عجز المشركون عن استدراج الرسول [ ص ] إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض - أي مكة - ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجرا , لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة . ولو أخرجوا الرسول [ ص ] عنوة وقسرا لحل بهم الهلاك (وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا)فهذه هي سنة الله النافذة:(سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا , ولا تجد لسنتنا تحويلا).
ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول , لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم . وهذا الكون تصرفه سنن مطردة , لا تتحول أمام اعتبار فردي . وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون , إنما هي السنن المطردة الثابتة . فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشا بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل , لحكمة علوية , لم يرسل الرسول بالخوارق , ولم يقدر أن يخرجوه عنوة , بل أوحى إليه بالهجرة . ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول . .
الدرس الثاني:78 - 81 توجيه إلى الصلوات والزاد للثبات
بعد ذلك يوجه الله رسوله [ ص ] إلى الاتصال به , واستمداد العون منه , والمضي في طريقه , يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل:
(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل , وقرآن الفجر , إن قرآن الفجر كان مشهودا ; ومن الليل فتهجد به نافلة لك , عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا , وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا . وقل:جاء الحق وزهق الباطل , إن الباطل كان زهوقا . وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين , ولا يزيد الظالمين إلا خسارا). .
ودلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب . والأمر هنا للرسول [ ص ] خاصة . أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول [ ص ] وتواترت بها سنته العملية . وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء , والغسق بأول الليل , وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر , وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء - من دلوك الشمس إلى الغسق - ثم الفجر . وجعل التهجد وحده هو الذي اختص رسول الله بأن يكون مأمورا به , وأنه نافلة له . ونحن نميل إلى الرأي الأول . وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول [ ص ] وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية .
(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل). . أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه ; واقرأ قرآن الفجر (إن قرآن الفجر كان مشهودا). . ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل . وإدبار الليل وإقبال النهار . ولهما وقعهما العميق في النفس , فإن مقدم الليل وزحف الظلام , كمطلع النور وانكشاف الظلمة . . كلاهما يخشع فيه القلب , وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة . وللقرآن - كما للصلاة - إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته , ونسماته الرخية , وهدوئه السارب , وتفتحه بالنور , ونبضه بالحركة , وتنفسه بالحياة .