(ومن الليل فتهجد به نافلة لك). . والتهجد الصلاة بعد نومة أول الليل . والضمير في(به)عائد على القرآن , لأنه روح الصلاة وقوامها .
(عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا). . بهذه الصلاة وبهذا القرآن والتهجد به , وبهذه الصلة الدائمة بالله . فهذا هو الطريق المؤدي إلى المقام المحمود وإذا كان الرسول [ ص ] يؤمر بالصلاة والتهجد والقرآن ليبعثه ربه المقام المحمود المأذون له به , وهو المصطفى المختار , فما أحوج الآخرين إلى هذه الوسائل لينالوا المقام المأذون لهم به في درجاتهم . فهذا هو الطريق . وهذا هو زاد الطريق .
(وقل:رب أدخلني مدخل صدق . وأخرجني مخرج صدق , واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا).
وهو دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعوه به . ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه إليه . دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج , كناية عن صدق الرحلة كلها . بدئها وختامها . أولها وآخرها وما بين الأول والآخر . وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزل الله عليه ليفتري على الله غيره . وللصدق كذلك ظلاله:ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص . (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)قوة وهيبة استعلي بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين وكلمة (من لدنك)تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه .
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله . ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله . لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلي الله . والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه , فيصبحون لها جندا وخدما فيفلحون , ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه , فهي من أمر الله , وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه .
(وقل:جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). .
بهذا السلطان المستمد من الله , أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته , وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه . فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت , ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق . .
(إن الباطل كان زهوقا). . حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد . وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة . فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش , لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ; ومن ثم يحاول أن يموه على العين , وأن يبدو عظيما كبيرا ضخما راسخا , ولكنه هش سريع العطب , كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عاليا ثم تخبو سريعا وتستحيل إلى رماد ; بينما الجمرة الذاكية تدفى ء وتنفع وتبقى ; وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .
(إن الباطل كان زهوقا). . لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته , إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية ; فإذا تخلخلت تلك العوامل , ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار . فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان . . ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء , لأنه من عند الله الذي جعل(الحق)من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول .
(إن الباطل كان زهوقا). . ومن ورائه الشيطان , ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق , وسلطان