وفي هذا التقرير تهديد خفي , بعاقبة العمل والاتجاه , ليأخذ كل حذره , ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى الله .
الدرس الخامس:85 - 87 الروح من أمر الله وإثبات الوحي
وراح بعضهم يسأل الرسول [ ص ] عن الروح ما هو ? والمنهج الذي سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه , وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته ; فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله فيما لا ينتج ولا يثمر , وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به . فلما سألوه عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله , اختص بعلمه دون سواه:
ويسألونك عن الروح . قل:الروح من أمر ربي . وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . .
وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل . ولكن فيه توجيها لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه . فلا جدوى من الخبط في التيه , ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه . والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه , وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها . وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق , وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود . والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة , إنما وهب منها بقدر محيطه وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض , ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه , في حدود علمه القليل .
ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع ; ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدري ما هو , ولا كيف جاء , ولا كيف يذهب , ولا أين كان ولا أين يكون , إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل .
وما جاء في التنزيل هو العلم المستيقن , لأنه من العليم الخبير . ولو شاء الله لحرم البشرية منه , وذهب بما أوحى إلى رسوله ; ولكنها رحمة الله وفضله .
(ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك , ثم لا تجد لك به علينا وكيلا . إلا رحمة من ربك , إن فضله , كان عليك كبيرا). .
والله يمتن على رسوله [ ص ] بهذا الفضل . فضل إنزال الوحي , واستبقاء ما أوحى به إليه ; المنة على الناس أكبر , فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة , أجيالا بعد أجيال .
الدرس السادس:88 - 93 عجز الكفار عن معارضة القرآن ونماذج من طلباتهم الساذجة
وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بها فالقرآن من صنع الله الذي لا يملك الخلق محاكاته , ولا يملك الإنس والجن - وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي - أن يأتوا بمثله , ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة:
(قل:لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا). .
فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها . إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز