الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به . . (قل:سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)يقف عند حدود بشريته , ويعمل وفق تكاليف رسالته , لا يقترح على الله ولا يتزيد فيما كلفه إياه . الدرس السابع:94 - 99 نقض شبهات الكفار عن الرسل وعذابهم يوم القيامة
ولقد كانت الشبهة التي عرضت للأقوام من قبل أن يأتيهم محمد [ ص ] ومن بعد ما جاءهم , والتي صدتهم عن الإيمان بالرسل وما معهم من الهدي , أنهم استبعدوا أن يكون الرسول بشرا ; ولا يكون ملكا:
(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا:أبعث الله بشرا رسولا ?)
وقد نشأ هذا الوهم من عدم إدراك الناس لقيمة بشريتهم وكرامتها على الله , فاستكثروا على بشر أن يكون رسولا من عند الله . كذلك نشأ هذا الوهم من عدم إدراكهم لطبيعة الكون وطبيعة الملائكة , وأنهم ليسوا مهيئين للاستقرار في الأرض وهم في صورتهم الملائكية حتى يميزهم الناس ويستيقنوا أنهم ملائكة .
(قل:لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا).
فلو قدر الله أن الملائكة تعيش في الأرض لصاغهم في صورة آدمية , لأنها الصورة التي تتفق مع نواميس الخلق وطبيعة الأرض , كما قال في آية أخرى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)والله قادر على كل شيء , ولكنه خلق نواميس وبرأ مخلوقاته وفق هذه النواميس بقدرته واختياره , وقدر أن تمضي النواميس في طريقها لا تتبدل ولا تتحول , لتحقق حكمته في الخلق والتكوين - غير أن القوم لا يدركون !
وما دامت هذه سنة الله في خلقه , فهو يأمر الرسول [ ص ] أن ينهي معهم الجدل , وأن يكل أمره وأمرهم إلى الله يشهده عليهم , ويدع له التصرف في أمرهم , وهو الخبير البصير بالعباد جميعا:
(قل:كفى بالله شهيدا بيني وبينكم , إنه كان بعباده خبيرا بصيرا). .
وهو قول يحمل رائحة التهديد . أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف:
ومن يهد الله فهو المهتد , ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه , ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما , مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا , وقالوا:أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ? أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ? وجعل لهم أجلا لا ريب فيه , فأبى الظالمون إلا كفورا . .
ولقد جعل الله للهدى وللضلال سننا , وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها , ويتعرضون لعواقبها . ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى وللضلال , وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال . فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله ; وهذا هو المهتدي حقا , لأنه اتبع هدى الله . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله: (فلن تجد لهم أولياء من دونه)ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة: على وجوههم يتكفأون (عميا وبكما وصما)مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام . جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى . و (مأواهم جهنم)في النهاية , لا تبرد ولا تفتر (كلما خبت زدناهم سعيرا).
وهي نهاية مفزعة وجزاء مخيف . ولكنهم يستحقونه بكفرهم بآيات الله: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا)واستنكروا البعث واستبعدوا وقوعه:(وقالوا:أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ?)