والسياق يعرض هذا المشهد كأنه هو الحاضر الآن , وكأنما الدنيا التي كانوا فيها قد انطوت صفحتها وصارت ماضيا بعيدا . . وذلك على طريقة القرآن في تجسيم المشاهد وعرضها واقعة حية , تفعل فعلها في القلوب والمشاعر قبل فوات الأوان .
ثم يعود ليجادلهم بالمنطق الواقعي الذي يرونه فيغفلونه .
أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ? فأية غرابة في البعث ; والله خالق هذا الكون الهائل قادر على أن يخلق مثلهم , فهو قادر إذا على أن يعيدهم أحياء . (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه)أنظرهم إليه , وأجلهم إلى موعده (فأبى الظالمون إلا كفورا)فكان جزاؤهم عادلا بعد منطق الدلالات ومنطق المشاهدات , ووضوح الآيات .
الدرس الثامن:100 كرم الله في مقابل بخل الإنسان
على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول [ ص ] تلك المقترحات المتعنتة , من بيوت الزخرف , وجنات النخيل والأعناب , والينابيع المتفجرة . . بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة الله قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفا من نفادها , ورحمة الله لا تنفد ولا تغيض:
(قل:لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا).
وهي صورة بالغة للشح , فإن رحمة الله وسعت كل شيء , ولا يخشى نفادها ولا نقصها . ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها !
الدرس التاسع:101 - 104 مما جرى بين فرعون وموسى والإفساد الثاني لبني إسرائيل
وعلى أية حال فإن كثرة الخوارق لا تنشى ء الإيمان في القلوب الجاحدة . وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه , فحل بهم الهلاك جميعا .
(ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات , فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم , فقال له فرعون:إني لأظنك يا موسى مسحورا . قال:لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر , وإني لأظنك يا فرعون مثبورا . فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا . وقلنا من بعده لبني إسرائيل:اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا). .
وهذا المثل من قصة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة وذكر المسجد الأقصى في أولها وطرف من قصة بني إسرائيل وموسى . وكذلك يعقب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة ومصير المكذبين بالبعث الذي صوره هذا المشهد .
والآيات التسع المشار إليها هنا هي اليد البيضاء والعصا وما أخذ الله به فرعون وقومه من السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . . (فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم)فهم شهداء على ما كان بين موسى وفرعون:
(فقال له فرعون:إني لأظنك يا موسى مسحورا). . فكلمة الحق وتوحيد الله والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول ! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني ; ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية !
فأما موسى فهو قوي بالحق الذي أرسل به مشرقا منيرا ; مطمئن إلى نصرة الله له وأخذه للطغاة: