وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا , لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين ! وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه , لا يفعل فيهم الزمن , ولا تدركهم السن ; فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة . وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور:
(ويطوف عليهم ولدان مخلدون , إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا). .
ثم يجمل السياق خطوط المنظر , ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر:
(وإذا رأيت - ثم - رأيت نعيما وملكا كبيرا). .
نعيما وملكا كبيرا . هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد الله هؤلاء , على وجه الإجمال والعموم ! ثم يخصص مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير ; كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير:
(عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق , وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا). .
والسندس الحرير الرقيق , والإستبرق الحرير السميك المبطن . . وهم في هذه الزينة وهذا المتاع , يتلقونه كله من(ربهم)فهو عطاء كريم من معط كريم . وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم !
ثم يتلقون عليه الود والتكريم:
(إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا). .
يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى . وهو يعدل هذه المناعم كلها , ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها . .
وهكذا ينتهي ذلك العرض المفصل والهتاف الموحي للقلوب , الهتاف إلى ذلك النعيم الطيب والفرار من السلاسل والأغلال والسعير . . وهما طريقان . طريق مؤد إلى الجنة هذه وطريق مؤد إلى السعير !
الدرس الثالث:23 - 26 إنزال القرآن وتوجيه الدعاة إلى زادهم وهو الإتصال بالله
وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد , يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب , الذين لا يدركون حقيقة الدعوة , فيساومون عليها الرسول [ ص ] لعله يكف عنها , أو عما يؤذيهم منها . وبين المساومة للنبي [ ص ] وفتنة المؤمنين به وإيذائهم , والصد عن سبيل الله , والإعراض عن الخير والجنة والنعيم . . بين هذا كله يجيء المقطع الأخير في السورة يعالج هذا الموقف بطريقة القرآن الكريم:
(إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا . فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا . واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا . ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا). .
وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية . حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلا , وأن يتعمقوها تعمقا كاملا , وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة .
لقد كان رسول الله [ ص ] يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده . وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة . ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيرا . فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة . إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة , التي شهدت بها الروايات التاريخية , وحكاها القرآن في مواضع منه شتى . . كانت المكانة الاجتماعية , والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة , وما يتلبس