(والقمر إذا اتسق). . مشهد كذلك هادئ رائع ساحر . . وهو القمر في ليالي اكتماله . . وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع الموحي بالصمت الجليل , والسياحة المديدة , في العوالم الظاهرة والمكنونة في الشعور . . وهو جو له صلة خفية بجو الشفق , والليل وما وسق . يلتقي معهما في الجلال والخشوع السكون . . هذه اللمحات الكونية الجميلة الجليلة الرائعة المرهوبة الموحية يلتقطها القرآن لقطات سريعة , ويخاطب بها القلب البشري , الذي يغفل عن خطابها الكوني . ويلوح بالقسم بها ليبرزها للمشاعر والضمائر , في حيويتها , وجمالها وإيحائها وإيقاعها , ودلالتها على اليد التي تمسك بأقدار هذا الكون , وترسم خطواته , وتبدل أحواله . . وأحوال الناس أيضا وهم غافلون:
(لتركبن طبقا عن طبق). . أي لتعانون حالا بعد حال , وفق ما هو مرسوم لكم من تقديرات وأحوال . ويعبر عن معاناة الأحوال المتعاقبة بركوبها . والتعبير بركوب الأمور والأخطار والأهوال والأحوال مألوف في التعبير العربي , كقولهم:"إن المضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه" . . وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها الناس واحدة بعد واحدة . وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ويقودهم في الطريق , فتنتهي بهم عند غاية تؤدي إلى رأس مرحلة جديدة , مقدرة كذلك مرسومة , كتقدير هذه الأحوال المتعاقبة على الكون من الشفق , والليل وما وسق , والقمر إذا اتسق . حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم , الذي تحدثت عنه الفقرة السالفة . . وهذا التتابع المتناسق في فقرات السورة , والانتقال اللطيف من معنى إلى معنى , ومن جولة إلى جولة , هو سمة من سمات هذا القرآن البديع . .
الدرس الرابع:20 - 25 لوم وعذاب الكفار لعدم إيمانهم وثواب المؤمنين الصالحين
وفي ظل هذه اللمحات الأخيرة , والمشاهد والجولات السابقة لها في السورة , يجيء التعجيب من أمر الذين لا يؤمنون . وأمامهم هذا الحشد من موحيات الإيمان ودلائله في أنفسهم وفي الوجود:
فما لهم لا يؤمنون ? و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ? . .
أجل ! فما لهم لا يؤمنون ?
إن موحيات الإيمان في لمحات الوجود , وفي أحوال النفوس , تواجه القلب البشري حيثما توجه ; وتتكاثر عليه أينما كان . وهي من الكثرة والعمق والقوة والثقل في ميزان الحقيقة بحيث تحاصر هذا القلب لو أراد التفلت منها . بينما هي تناجيه وتناغيه وتناديه حيثما ألقى بسمعه وقلبه إليها !
(فما لهم لا يؤمنون ? وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ?)وهو يخاطبهم بلغة الفطرة , ويفتح قلوبهم على موحيات الإيمان ودلائله في الأنفس والآفاق . ويستجيش في هذه القلوب مشاعر التقوى والخشوع والطاعة والخضوع لبارئ الوجود . . وهو "السجود" . .
إن هذا الكون جميل . وموح . وفيه من اللمحات والومضات واللحظات والسبحات ما يستجيش في القلب البشري أسمى مشاعر الاستجابة والخشوع .
وإن هذا القرآن جميل . وموح . وفيه من اللمسات والموحيات ما يصل القلب البشري بالوجود الجميل , وببارئ الوجود الجليل . ويسكب فيه حقيقة الكون الكبيرة الموحية بحقيقة خالقه العظيم . .(فما لهم لا يؤمنون ? وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ?). .
إنه لأمر عجيب حقا . يضرب عنه السياق ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار , وما ينتظرهم من مآل: