الدلالة , والإيضاح القوي التأثير . فنأخذ في استعراض هذا النسق العالي في ظل هذا البيان المنير: الدرس الأول:124 إمامة إبراهيم وشرط الإمامة في ذريته
(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن . قال:إني جاعلك للناس إماما . قال:ومن ذريتي ? قال:لا ينال عهدي الظالمين). .
يقول للنبي [ ص ] اذكر ما كان من ابتلاء الله لإبراهيم بكلمات من الأوامر والتكاليف , فأتمهن وفاء وقضاء . . وقد شهد الله لإبراهيم في موضع آخر بالوفاء بالتزاماته على النحو الذي يرضى الله عنه فيستحق شهادته الجليلة:(وإبراهيم الذي وفى). . وهو مقام عظيم ذلك المقام الذي بلغه إبراهيم . مقام الوفاء والتوفية بشهادة الله عز وجل . والإنسان بضعفه وقصوره لا يوفي ولا يستقيم !
عندئذ استحق إبراهيم تلك البشرى . أو تلك الثقة:
(قال:إني جاعلك للناس إماما). .
إماما يتخذونه قدوة , ويقودهم إلى الله , ويقدمهم إلى الخير , ويكونون له تبعا , وتكون له فيهم قيادة .
عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر:الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد . ذلك الشعور الفطري العميق , الذي أودعه الله فطرة البشر لتنمو الحياة وتمضي في طريقها المرسوم , ويكمل اللاحق ما بدأه السابق , وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق . . ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله ; وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى . وعلى أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث , تلبية لتلك الفطرة , وتنشيطا لها لتعمل , ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد . وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها ; وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة . وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى . وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة . ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان , وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق , وفكرة عن تكوينها أدق , وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل , أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح:
(قال:ومن ذريتي ?). .
وجاءه الرد من ربه الذي ابتلاه واصطفاه , يقرر القاعدة الكبرى التي أسلفنا . . إن الإمامة لمن يستحقونها بالعمل والشعور , وبالصلاح والإيمان , وليست وراثة أصلاب وأنساب . فالقربى ليست وشيجة لحم ودم , إنما هي وشيجة دين وعقيدة . ودعوى القرابة والدم والجنس والقوم إن هي إلا دعوى الجاهلية , التي تصطدم اصطداما أساسيا بالتصور الإيماني الصحيح:
(قال:لا ينال عهدي الظالمين). . .
والظلم أنواع وألوان:ظلم النفس بالشرك , وظلم الناس بالبغي . . والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة:امامة الرسالة , وإمامة الخلافة , وإمامة الصلاة . . وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة . فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أية صورة من صورها . ومن ظلم - أي لون من الظلم - فقد جرد نفسه من حق الإمامة وأسقط حقه فيها ; بكل معنى من معانيها .
وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع في