تنحية اليهود عن القيادة والإمامة , بما ظلموا , وبما فسقوا , وبما عتوا عن أمر الله , وبما انحرفوا عن عقيدة جدهم إبراهيم . . وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع كذلك في تنحية من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم . بما ظلموا , وبما فسقوا وبما بعدوا عن طريق الله , وبما نبذوا من شريعته وراء ظهورهم . . ودعواهم الإسلام , وهم ينحون شريعة الله ومنهجه عن الحياة , دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله .
إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل . ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا أنبتت وشيجة العقيدة والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل . . وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته , بل يفصل بين الوالد والولد , والزوج والزوج إذا انقطع بينهما حبل العقيدة . فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر . ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة . والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء , والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر , ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة . . إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفادا . . إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة . وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين . . إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم . . وهذا هو التصور الإيماني , الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني , في كتاب الله الكريم . .
الدرس الثاني:125 المسجد الحرام أمن للعابدين
(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا , واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى , وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود). .
هذا البيت الحرام الذي قام سدنته من قريش فروعوا المؤمنين وآذوهم وفتنوهم عن دينهم حتى هاجروا من جواره . . لقد أراده الله مثابة يثوب إليها الناس جميعا , فلا يروعهم أحد ; بل يأمنون فيه على أرواحهم وأموالهم . فهو ذاته أمن وطمأنينة وسلام .
ولقد أمروا أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى - ومقام إبراهيم يشير هنا إلى البيت كله وهذا ما نختاره في تفسيره - فاتخاذ البيت قبلة للمسلمين هو الأمر الطبيعي , الذي لا يثير اعتراضا . وهو أولى قبلة يتوجه إليها المسلمون , ورثة إبراهيم بالإيمان والتوحيد الصحيح , بما أنه بيت الله , لا بيت أحد من الناس . وقد عهد الله - صاحب البيت - إلى عبدين من عباده صالحين أن يقوما بتطهيره وإعداده للطائفين والعاكفين والركع السجود - أي للحجاج الوافدين عليه , وأهله العاكفين فيه , والذين يصلون فيه ويركعون ويسجدون فحتى إبراهيم وإسماعيل لم يكن البيت ملكا لهما , فيورث بالنسب عنهما , إنما كانا سادنين له بأمر ربهما , لإعداده لقصاده وعباده من المؤمنين .
الدرس الثالث:تأدب إبراهيم في دعائه لله
(وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا بلدا آمنا , وارزق أهله من الثمرات . . من آمن منهم بالله واليوم الآخر . . قال:ومن كفر فأمتعه قليلا , ثم أضطره إلى عذاب النار , وبئس المصير). .
ومرة أخرى يؤكد دعاء إبراهيم صفة الأمن للبيت . ومرة أخرى يؤكد معنى الوراثة للفضل والخير . . إن إبراهيم قد أفاد من عظة ربه له في الأولى . لقد وعى منذ أن قال له ربه: (لا ينال عهدي الظالمين). .