وعى هذا الدرس . . فهو هنا , في دعائه أن يرزق الله أهل هذا البلد من الثمرات , يحترس ويستثني ويحدد من يعني:(من آمن منهم بالله واليوم الآخر). .
إنه إبراهيم الأواه الحليم القانت المستقيم , يتأدب بالأدب الذي علمه ربه , فيراعيه في طلبه ودعائه . . وعندئذ يجيئه رد ربه مكملا ومبينا عن الشطر الآخر الذي سكت عنه . شطر الذين لا يؤمنون , ومصيرهم الأليم:
(قال:ومن كفر فأمتعه قليلا , ثم أضطره إلى عذاب النار , وبئس المصير). .
الدرس الرابع 127 - 129 دعاء إبراهيم وإسماعيل عند بناء البيت
ثم يرسم مشهد تنفيذ إبراهيم وإسماعيل للأمر الذي تلقياه من ربهما بإعداد البيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود . . يرسمه مشهودا كما لو كانت الأعين تراهما اللحظة وتسمعهما في آن:
(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل:ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك , ومن ذريتنا أمة مسلمة لك , وأرنا مناسكنا وتب علينا , إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة , ويزكيهم , إنك أنت العزيز الحكيم). . إن التعبير يبدأ بصيغة الخبر . . حكاية تحكى:
(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل). .
وبينما نحن في انتظار بقية الخبر , إذا بالسياق يكشف لنا عنهما , ويرينا إياهما , كما لو كانت رؤية العين لا رؤيا الخيال . إنهما أمامنا حاضران , نكاد نسمع صوتيهما يبتهلان:
(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . . ربنا . .)
فنغمة الدعاء , وموسيقى الدعاء , وجو الدعاء . . كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة . . وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل . رد المشهد الغائب الذاهب , حاضرا يسمع ويرى , ويتحرك ويشخص , وتفيض منه الحياة . . إنها خصيصة "التصوير الفني" بمعناه الصادق , اللائق بالكتاب الخالد .
وماذا في ثنايا الدعاء ? إنه أدب النبوة , وإيمان النبوة , وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود . وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء , وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء:
(ربنا تقبل منا . إنك أنت السميع العليم). .
إنه طلب القبول . . هذه هي الغاية . . فهو عمل خالص لله . الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى الله . والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول . . والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء . عليهم بما وراءه من النية والشعور .
(ربنا واجعلنا مسلمين لك , ومن ذريتنا أمة مسلمة لك . وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم).
إنه رجاء العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام ; والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من أصابع الرحمن ; وأن الهدى هداه , وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا بالله , فهما يتجهان ويرغبان , والله المستعان .
ثم هو طابع الأمة المسلمة . . التضامن . . تضامن الأجيال في العقيدة: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك). .