مستهتر بها . . إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماما , وشهد له في الآخرة بالصلاح . . اصطفاه (إذ قال له ربه أسلم). . فلم يتلكأ , ولم يرتب , ولم ينحرف , واستجاب فور تلقي الأمر . (قال:أسلمت لرب العالمين). .
هذه هي ملة إبراهيم . . الإسلام الخالص الصريح . . ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه , وجعلها وصيته في ذريته , ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه . ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه , ثم لا يلبون وصيته , ووصية جده وجدهم إبراهيم !
ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة الله عليهم في اختياره الدين لهم:
(يا بني إن الله اصطفى لكم الدين). .
فهو من اختيار الله . فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه . وأقل ما توجبه رعاية الله لهم , وفضل الله عليهم , هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه , والحرص على ما اختاره لهم , والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم:
(فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). .
وها هي ذي الفرصة سانحة , فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام , وهو ثمرة الدعوة التي دعاها أبوهم إبراهيم . .
الدرس السادس:133 يعقوب يوصي بنيه بالإسلام
تلك كانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه . . الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته ; والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته , فليسمعها بنو إسرائيل:
(أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت . إذ قال لبنيه:ما تعبدون من بعدي ? قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون). .
إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة , قوي الإيحاء , عميق التأثير . . ميت يحتضر . فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار ? ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت ? ما هو الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه ? ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر , يسجل فيه كل التفصيلات ? . .
إنها العقيدة . . هي التركة . وهي الذخر . وهي القضية الكبرى , وهي الشغل الشاغل , وهي الأمر الجلل , الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته:
(ما تعبدون من بعدي ?). .
هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله . وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها . وهذه هي الأمانة والذخر والتراث . .
(قالوا:نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق . إلها واحدا . ونحن له مسلمون). .
إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه . إنهم يتسلمون التراث ويصونونه . إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه .
وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب . وكذلك هم ينصون نصا صريحا على أنهم(مسلمون).