والقرآن يسأل بني إسرائيل: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ?). . فهذا هو الذي كان , يشهد به الله , ويقرره , ويقطع به كل حجة لهم في التمويه والتضليل ; ويقطع به كل صلة حقيقية بينهم وبين أبيهم إسرائيل !
الدرس السابع:134 لا صلة بين اليهود وبين أنبيائهم
وفي ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمة التي خلت , والجيل الذي كانت تواجهه الدعوة . . حيث لا مجال لصلة , ولا مجال لوراثة , ولا مجال لنسب بين السابقين واللاحقين:
(تلك أمة قد خلت , لها ما كسبت ولكم ما كسبتم , ولا تسألون عما كانوا يعملون). .
فلكل حساب ; ولكل طريق ; ولكل عنوان ; ولكل صفة . . أولئك أمة من المؤمنين فلا علاقة لها بأعقابها من الفاسقين . إن هذه الأعقاب ليست امتدادا لتلك الأسلاف . هؤلاء حزب وأولئك حزب . لهؤلاء راية ولأولئك راية . . والتصور الإيماني في هذا غير التصور الجاهلي . . فالتصور الجاهلي لا يفرق بين جيل من الأمة وجيل , لأن الصلة هي صلة الجنس والنسب . أما التصور الإيماني فيفرق بين جيل مؤمن وجيل فاسق ; فليسا أمة واحدة , وليس بينهما صلة ولا قرابة . . إنهما أمتان مختلفتان في ميزان الله , فهما مختلفتان في ميزان المؤمنين . إن الأمة في التصور الإيماني هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كل جنس ومن كل أرض ; وليست هي الجماعة التي تنتسب إلى جنس واحد أو أرض واحدة . وهذا هو التصور اللائق بالإنسان , الذي يستمد إنسانيته من نفخة الروح العلوية , لا من التصاقات الطين الأرضية !
الدرس الثامن:135 - 141 مناقشة مزاعم أهل الكتاب حول الإنتساب لإبراهيم
في ظل هذا البيان التاريخي الحاسم , لقصة العهد مع إبراهيم:وقصة البيت الحرام كعبة المسلمين ; ولحقيقة الوراثة وحقيقة الدين ; يناقش ادعاءات أهل الكتاب المعاصرين , ويعرض لحججهم وجدلهم ومحالهم , فيبدو هذا كله ضعيفا شاحبا , كما يبدو فيه العنت والادعاء بلا دليل:كذلك تبدو العقيدة الإسلامية عقيدة طبيعية شاملة لا ينحرف عنها إلا المتعنتون:
(وقالوا:كونوا هودا أو نصارى تهتدوا . قل:بل ملة إبراهيم حنيفا , وما كان من المشركين . قولوا:آمنا بالله , وما أنزل إلينا , وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط , وما أوتي موسى وعيسى , وما أوتي النبيون من ربهم , لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون . فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا , وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله , وهو السميع العليم . صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ? ونحن له عابدون . قل:أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم , ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم , ونحن له مخلصون ? . أم تقولون:إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى ? قل:أأنتم أعلم أم الله ? ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ? وما الله بغافل عما تعملون). .
وإنما كان قول اليهود:كونوا يهودا تهتدوا ; وكان قول النصارى:كونوا نصارى تهتدوا . فجمع الله قوليهم ليوجه نبيه [ ص ] أن يواجههم جميعا بكلمة واحدة:
(قل:بل ملة إبراهيم حنيفا , وما كان من المشركين). .
قل:بل نرجع جميعا , نحن وأنتم , إلى ملة إبراهيم , أبينا وأبيكم , وأصل ملة الإسلام , وصاحب العهد مع ربه عليه . . (وما كان من المشركين). . بينما أنتم تشركون . .
ثم يدعو المسلمين لإعلان الوحدة الكبرى للدين , من لدن إبراهيم أبي الأنبياء إلى عيسى بن مريم , إلى