الإسلام الأخير . ودعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحد:(قولوا:آمنا بالله , وما أنزل إلينا , وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط , وما أوتي موسى وعيسى , وما أوتي النبيون من ربهم . لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). .
تلك الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعا , وبين الرسل جميعا , هي قاعدة التصور الإسلامي وهي التي تجعل من الأمة المسلمة , الأمة الوارثة لتراث العقيدة القائمة على دين الله في الأرض , الموصولة بهذا الأصل العريق , السائرة في الدرب على هدى ونور . والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك الجميع الحياة في ظله دون تعصب ولا اضطهاد . والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا مفتوحا للناس جميعا في مودة وسلام .
ومن ثم يقرر السياق الحقيقة الكبيرة , ويثبت عليها المؤمنين بهذه العقيدة . حقيقة أن هذه العقيدة هي الهدى . من اتبعها فقد اهتدى . ومن أعرض عنها فلن يستقر على أصل ثابت ; ومن ثم يظل في شقاق مع الشيع المختلفة التي لا تلتقي على قرار:
(فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا , وإن تولوا فإنما هم في شقاق). .
وهذه الكلمة من الله , وهذه الشهادة منه سبحانه , تسكب في قلب المؤمن الاعتزاز بما هو عليه . فهو وحده المهتدي . ومن لا يؤمن بما يؤمن به فهو المشاق للحق المعادي للهدى . ولا على المؤمن من شقاق من لا يهتدي ولا يؤمن , ولا عليه من كيده ومكره . ولا عليه من جداله ومعارضته . فالله سيتولاهم عنه , وهو كافيه وحسبه:
(فسيكفيكهم الله . وهو السميع العليم).
إنه ليس على المؤمن إلا أن يستقيم على طريقته , وأن يعتز بالحق المستمد مباشرة من ربه , وبالعلامة التي يضعها الله على أوليائه , فيعرفون بها في الأرض:
(صبغة الله . ومن أحسن من الله صبغة ? ونحن له عابدون). .
صبغة الله التي شاء لها أن تكون آخر رسالاته إلى البشر . لتقوم عليها وحدة إنسانية واسعة الآفاق , لا تعصب فيها ولا حقد , ولا أجناس فيها ولا ألوان .
ونقف هنا عند سمة من سمات التعبير القرآني ذات الدلالة العميقة . . إن صدر هذه الآية من كلام الله التقريري: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة). . أما باقيها فهو من كلام المؤمنين . يلحقه السياق - بلا فاصل - بكلام الباريء سبحانه في السياق . وكله قرآن منزل . ولكن الشطر الأول حكاية عن قول الله , والشطر الثاني حكاية عن قول المؤمنين . وهو تشريف عظيم أن يلحق كلام المؤمنين بكلام الله في سياق واحد , بحكم الصلة الوثيقة بينهم وبين ربهم , وبحكم الاستقامة الواصلة بينه وبينهم . وأمثال هذا في القرآن كثير . وهو ذو مغزى كبير .
ثم تمضي الحجة الدامغة إلى نهايتها الحاسمة:
(قل:أتحاجوننا في الله , وهو ربنا وربكم , ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم , ونحن له مخلصون ?). .
ولا مجال للجدل في وحدانية الله وربوبيته . فهو ربنا وربكم , ونحن محاسبون بأعمالنا , وعليكم وزر أعمالكم . ونحن متجردون له مخلصون لا نشرك به شيئا , ولا نرجو معه أحدا . . وهذا الكلام تقرير لموقف