|
في ظلال القرآن
الكريم
التكوير من الاية 1 الى الاية 3 إöذَا الشَّمْسُ كُوّöرَتْ (1) وَإöذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإöذَا الْجöبَالُ سُيّöرَتْ (3)
سورة التكوير تعريف بسورة التكوير هذه السورة ذات مقطعين اثنين تعالج في كل مقطع منهما تقرير حقيقة ضخمة من حقائق العقيدة: الأولى حقيقة القيامة , وما يصاحبها من انقلاب كوني هائل كامل , يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار , والأرض والسماء , والأنعام والوحوش , كما يشمل بني الإنسان . والثانية حقيقة الوحي , وما يتعلق بها من صفة الملك الذي يحمله , وصفة النبي الذي يتلقاه , ثم شأن القوم المخاطبين بهذا الوحي معه , ومع المشيئة الكبرى التى فطرتهم ونزلت لهم الوحي . والإيقاع العام للسورة أشبه بحركة جائحة . تنطلق من عقالها . فتقلب كل شيء , وتنثر كل شيء ; وتهيج الساكن وتروع الآمن ; وتذهب بكل مألوف وتبدل كل معهود ; وتهز النفس البشرية هزا عنيفا طويلا , يخلعها من كل ما اعتادت أن تسكن إليه , وتتشبث به , فإذا هي في عاصفة الهول المدمر الجارف ريشة لا وزن لها ولا قرار . ولا ملاذ لها ولا ملجأ إلا في حمى الواحد القهار , الذي له وحده البقاء والدوام , وعنده وحده القرار والاطمئنان . . ومن ثم فالسورة بإيقاعها العام وحده تخلع النفس من كل ما تطمئن إليه وتركن , لتلوذ بكنف الله , وتأوي إلى حماه , وتطلب عنده الأمن والطمأنينة والقرار . . وفي السورة - مع هذا - ثروة ضخمة من المشاهد الرائعة , سواء في هذا الكون الرائع الذي نراه , أو في ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من أوضاع . وثروة كذلك من التعبيرات الأنيقة ! المنتقاة لتلوين المشاهد والإيقاعات . وتلتقي هذه وتلك في حيز السورة الضيق , فتضغط على الحس وتنفذ إليه في قوة وإيحاء . ولولا أن في التعبير ألفاظا وعبارات لم تعد مألوفة ولا واضحة للقارئ في هذا الزمان , لآثرت ترك السورة تؤدي بإيقاعها وصورها وظلالها وحقائقها ومشاهدها , مالا تؤديه أية ترجمة لها في لغة البشر ; وتصل بذاتها إلى أوتار القلوب فتهزها من الأعماق . ولكن لا بد مما ليس منه بد . وقد بعدنا في زماننا هذا عن مألوف لغة القرآن ! الدرس الأول:1 - 14 من مشاهد يوم القيامة إذا الشمس كورت , وإذا النجوم انكدرت , وإذا الجبال سيرت , وإذا العشار عطلت , وإذا الوحوش حشرت , وإذا البحار سجرت , وإذا النفوس زوجت , وإذا الموءودة سئلت:بأي ذنب قتلت ? وإذا الصحف نشرت , وإذا السماء كشطت , وإذا الجحيم سعرت , وإذا الجنة أزلفت . . علمت نفس ما أحضرت . . هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود , والثورة الشاملة لكل موجود . الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية , والوحوش النافرة والأنعام الأليفة , ونفوس البشر , وأوضاع الأمور . حيث ينكشف كل مستور , ويعلم كل مجهول ; وتقف النففس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب . وكل شيء من حولها عاصف ; وكل شيء من حولها مقلوب ! وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده . الكون المنسق الجميل , الموزون الحركة , المضبوط النسبة , المتين الصنعة , المبني بأيد وإحكام . أن هذا الكون سينفرط عقد نظامه , وتتناثر أجزاؤه , وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها ; وينتهي إلى أجله المقدر , حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير ما عهدت نهائيا من هذا الكون المعهود . وهذا ما تستهدف السورة إقراره في المشاعر والقلوب كي تنفصل من هذه المظاهر الزائلة - مهما بدت لها ثابتة - وتتصل بالحقيقة الباقية . . حقيقة الله الذي لا يحول ولا يزول , حين يحول كل شيء من الحوادث ويزول . ولكي تنطلق من إسار المعهود المألوف في هذا الكون المشهود . إلى الحقيقة المطلقة التي لا تتقيد بزمان ولا مكان ولا رؤية ولا حس , ولا مظهر من المظاهر التي تقيدها في ظرف أو إطار محدود ! وهذا هو الشعور العام الذي ينسرب إلى النفس وهي تطالع مشاهد هذا الانقلاب المرهوب . فأما حقيقة ما يجري لكل هذه الكائنات , فعلمها عند الله ; وهي حقيقة أكبر من أن ندركها الآن بمشاعرنا
التالي
|