ثم تجيء الخطوة الأخيرة في مشاهد ذلك اليوم الهائل المرهوب:(وإذا الجحيم سعرت . وإذا الجنة أزلفت). .
حيث تتوقد الجحيم وتتسعر , ويزداد لهيبها ووهجها وحرارتها . . أما أين هي ? وكيف تتسعر وتتوقد ? وبأي شيء تتوقد ? فليس لدينا من ذلك إلا قوله تعالى: (وقودها الناس والحجارة). وذلك بعد إلقاء أهلها فيها . أما قبل ذلك فالله أعلم بها وبوقودها !
وحيث تقرب الجنة وتظهر لروادها الموعودين بها , وتبدو لهم سهولة مدخلها , ويسر ولوجها . فهي مزلفة مقربة مهيأة . واللفظ كأنما يزحلقها أو يزحلق الأقدام بيسر إليها !!
عندما تقع هذه الأحداث الهائلة كلها , في كيان الكون , وفي أحوال الأحياء والأشياء . عندئذ لا يبقى لدى النفوس شك في حقيقة ما عملت , وما تزودت به لهذا اليوم , وما حملت معها للعرض , وما أحضرت للحساب:
(علمت نفس ما أحضرت). .
كل نفس تعلم , في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها . . تعلم وهذا الهول يحيط بها ويغمرها . . تعلم وهي لا تملك أن تغير شيئا مما أحضرت , ولا أن تزيد عليه ولا أن تنقص منه . . تعلم وقد انفصلت عن كل ما هو مألوف لها , معهود في حياتها أو تصورها . وقد انقطعت عن عالمها وانقطع عنها عالمها . وقد تغير كل شيء وتبدل كل شيء , ولم يبقى إلا وجه الله الكريم , الذي لا يتحول ولا يتبدل . . فما أولى أن تتجه النفوس إلى وجه الله الكريم , فتجده - سبحانه - عندما يتحول الكون كله ويتبدل !
وبهذا الإيقاع ينتهي المقطع الأول وقد امتلأ الحس وفاض بمشاهد اليوم الذي يتم فيه هذا الانقلاب .
الدرس الثاني:15 - 18 القسم ببعض المظاهر الكونية
ثم يجيء المقطع الثاني في السورة يبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة , تختار لها تعبيرات أنيقة . . القسم على طبيعة الوحي , وصفة الرسول الذي يحمله , والرسول الذي يتلقاه , وموقف الناس حياله وفق مشيئة الله:
فلا أقسم بالخنس , الجوار الكنس , والليل إذا عسعس , والصبح إذا تنفس . إنه لقول رسول كريم , ذي قوة عند ذي العرش مكين , مطاع ثم أمين . وما صاحبكم بمجنون . ولقد رآه بالأفق المبين , وما هو على الغيب بضنين . وما هو بقول شيطان رجيم . فأين تذهبون ? إن هو إلا ذكر للعالمين . لمن شاء منكم أن يستقيم . وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين . .
والخنس الجوار الكنس . . هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي . والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء . وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى . فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب , وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها . في اختفائها وفي ظهورها . في تواريها وفي سفورها . في جريها وفي عودتها . يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه .
(والليل إذا عسعس). . أي إذا أظلم . ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك . فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين:عس . عس . وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل , وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى !