وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع . ومثله:(والصبح إذا تنفس). . بل هو أظهر حيوية , وأشد إيحاء . والصبح حي يتنفس . أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي . وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح . ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس ! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح .
وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى:(فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس , والليل إذا عسعس , والصبح إذا تنفس). . ثروة شعورية وتعبيرية . فوق ما يشير إليه من حقائق كونية . ثروة جميلة بديعة رشيقة ; تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر , وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر .
الدرس الثالث:19 - 21 من صفات جبريل عليه السلام
يلوح بهذه المشاعر الكونية التي يخلع عليها الحياة ; ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها ; لتسكب في روح الإنسان أسرارها , وتشي لها بالقدرة التي وراءها , وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها . . ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها:
(إنه لقول رسول كريم . ذي قوة عند ذي العرش مكين . مطاع ثم أمين). .
إن هذا القرآن , وهذا الوصف لليوم الآخر . . لقول رسول كريم . . وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه . . فصار قوله باعتبار تبليغه .
ويذكر صفة هذا الرسول , الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه . .(كريم)عند ربه . فربه هو الذي يقول . . (ذي قوة). . مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة . (عند ذي العرش مكين). . في مقامه ومكانته . . وعند من ? عند ذي العرش العلي الأعلى . (مطاع ثم)هناك في الملأ الأعلى .(أمين). . على ما يحمل وما يبلغ . .
وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه . كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان , حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه , ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه . . وهي عناية تخجل هذا الكائن , الذي لا يساوي في ملك الله شيئا , لولا أن الله - سبحانه - يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة !
الدرس الرابع:22 - 27 رد اتهامات الكفار للرسول وإثبات حقيقة الوحي
فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه , فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو(صاحبكم). . عرفتموه حق المعرفة عمرا طويلا . فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون . وتذهبون في أمره المذاهب , وهو(صاحبكم)الذي لا تجهلون . وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين:
(وما صاحبكم بمجنون . ولقد رآه بالأفق المبين . وما هو على الغيب بضنين . وما هو بقول شيطان رجيم . فأين تذهبون ? إن هو إلا ذكر للعالمين). .
ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة , ويعرفون رجاحة عقله , وصدقه وأمانته وتثبته , قالوا عنه:إنه مجنون . وإن شيطانا يتنزل عليه بما يقول . قال بعضهم هذا كيدا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار . وقاله بعضهم عجبا ودهشة من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون . وتمشيا مع ظنهم