الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

في ظلال القرآن الكريم

عودة للآيات

التوبة

من الاية 101 الى الاية 101

وَمöمَّنْ حَوْلَكُم مّöنَ الأَعْرَابö مُنَافöقُونَ وَمöنْ أَهْلö الْمَدöينَةö مَرَدُواْ عَلَى النّöفَاقö لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذّöبُهُم مَّرَّتَيْنö ثُمَّ يُرَدُّونَ إöلَى عَذَابٍ عَظöيمٍ (101)

(ولما جاءهم رسول من عند اللّه مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللّه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون). . . [ البقرة:101 ] .

(سيقول السفهاء من الناس:ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . قل:للّه المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). . . [ البقرة:142 ] .

(يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه وأنتم تشهدون . يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ?). . . [ آل عمران:70 - 71 ] .

(وقالت طائفة من أهل الكتاب:آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون). . . [ آل عمران:72 ] .

(وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب , ويقولون هو من عند اللّه , وما هو من عند اللّه ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون). [ آل عمران:78 ] .

(قل:يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات اللّه واللّه شهيد على ما تعملون ? قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل اللّه من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء وما اللّه بغافل عما تعملون). . [ آل عمران:98 - 99 ] .

(يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ! فقد سألوا موسى أكبر من ذلك , فقالوا:أرنا اللّه جهرة , فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ; ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات . . .). . . [ النساء:153 ] .

(يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم , ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). . . [ التوبة:32 ] .

كذلك شهد التاريخ نقض اليهود لعهودهم مرة بعد مرة وتحرشهم بالمسلمين , مما أدى إلى وقائع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر . كما شهد تأليب اليهود للمشركين في الأحزاب , مما هو معروف مشهور .

ثم تابع اليهود كيدهم للإسلام وأهله منذ ذلك التاريخ . . كانوا عناصر أساسية في إثارة الفتنة الكبرى التي قتل فيها الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - وانتثر بعدها شمل التجمع الإسلامي إلى حد كبير . . . وكانوا رأس الفتنة فيما وقع بعد ذلك بين علي - رضي اللّه عنه - ومعاوية . . وقادوا حملة الوضع في الحديث والسيرة وروايات التفسير . . وكانوا من الممهدين لحملة التتار على بغداد وتقويض الخلافة الإسلامية . .

فأما في التاريخ الحديث فهم وراء كل كارثة حلت بالمسلمين في كل مكان على وجه الأرض ; وهم وراء كل محاولة لسحق طلائع البعث الإسلامي ; وهم حماة كل وضع من الأوضاع التي تتولى هذه المحاولة في كل أرجاء العالم الإسلامي !

ذلك شأن اليهود , فأما شأن الفريق الآخر من أهل الكتاب , فهو لا يقل إصراراً على العداوة والحرب من شأن اليهود !

لقد كانت بين الرومان والفرس عداوات عمرها قرون . . ولكن ما إن ظهر الإسلام في الجزيرة ; وأحست الكنيسة بخطورة هذا الدين الحق على ما صنعته هي بأيديها وسمته [ المسيحية ] وهو ركام من الوثنيات القديمة ,والأضاليل الكنسية , متلبساً ببقايا من كلمات المسيح - عليه السلام - وتاريخه . . حتى رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم من نزاعات تاريخية قديمة وعداوات وثارات عميقة , ليواجهوا هذا الدين الجديد .

ولقد أخذ الروم يتجمعون في الشمال هم وعمالهم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين . وذلك بعد أن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول اللّه - [ ص ] - إلى عامل بصري من قبل الروم - وكان المسلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا برسول النبي [ ص ] وقتلوه - مما جعل رسول اللّه - [ ص ] - يبعث بجيش الأمراء الشهداء الثلاثة:زيد بن حارثة , وجعفر بن أبي طالب , وعبد اللّه بن رواحة في غزوة "مؤتة" فوجدوا تجمعاً للروم تقول الروايات عنه:إنه مائة ألف من الروم ومعه من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى ; وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل . وكان ذلك في جمادي الأولى من السنة الثامنة للهجرة .

ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة [ وسيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء اللّه تعالى ] . ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول اللّه - [ ص ] - قبيل وفاته ; ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي اللّه عنه - إلى أطراف الشام ; لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين !

ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة , التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض . ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية .

إن " الحروب الصليبية " المعروفة بهذا الاسم في التاريخ , لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام . . لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير . . لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد . . منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس ; وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة . ثم بعد ذلك في [ مؤتة ] . ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة . . ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة , وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيراً من قبل . . وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم ; ولا تراعي في المسلمين إلاًّ ولا ذمة .

ومما جاء في كتاب " حضارة العرب " لجوستاف لوبون - وهو فرنسي مسيحي -:

" كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين , ثلاثة آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه , بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم . ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب , مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل , الذي رحم نصارى القدس , فلم يمسهم بأذى , والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد , أثناء مرضهما " .

كذلك كتب كاتب مسيحي آخر [ اسمه يورجا ] يقول:

"ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوأ طالع , فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها . وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون , ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء ! أما صلاح الدين , فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين , ووفى لهم بجميع عهوده , وجاد المسلمون على أعدائهم ووطأوهم مهاد رأفتهم , حتى أن الملك العادل , شقيق السلطان , أطلق ألف رقيق من الأسرى , ومنّ على جميع الأرمن , وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة , وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن " .

ولا يتسع المجال في الظلال لاستعراض ذلك الخط الطويل للحروب الصليبية - على مدار التاريخ - ولكن يكفي أن نقول:إن هذه الحرب لم تضع أوزارها قط من جانب الصليبية . ويكفي أن نذكر ماذا حدث في زنجبار حديثاً . حيث أبيد المسلمون فيها عن بكرة أبيهم , فقتل منهم اثنا عشر ألفاً وألقي الأربعة الآلاف الباقون في البحر منفيين من الجزيرة ! ويكفي أن نذكر ماذا وقع في قبرص , حيث منع الطعام والماء عن الجهات التي يقطنها بقايا المسلمين هناك ليموتوا جوعا وعطشا , فوق ما سلط عليهم من التقتيل والتذبيح والتشريد ! ويكفي أن نذكر ما تزاوله الحبشة في اريترية وفي قلب الحبشة , وما تزاوله كينيا مع المائة ألف مسلم الذين ينتمون إلى أصل صومالي , ويريدون أن ينضموا إلى قومهم المسلمين في الصومال ! ويكفي أن نعلم ماذا تحاوله الصليبية في السودان الجنوبي !

ويكفي لتصوير نظرة الصليبيين إلى الإسلام أن ننقل فقرة من كتاب لمؤلف أوربي صدر سنة 1944 يقول فيه .

"لقد كنا نخوّف بشعوب مختلفة . ولكننا بعد اختبار , لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف . . لقد كنا نخوّف من قبل بالخطر اليهودي , والخطر الأصفر , وبالخطر البلشفي . إلا أن هذا التخويف كله لم يتفق كما تخيلناه . إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا , وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد ! ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا . أما الشعوب الصفراء فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها . ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام , وفي قوته على التوسع والإخضاع , وفي حيويته . . إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي " .

ولا نستطيع أن نمضي أبعد من ذلك في استعراض تاريخ تلك الحرب العاتية التي أعلنتها الصليبية على الإسلام وما تزال . . وقد تحدثنا من قبل مراراً في أجزاء الظلال السابقة - بمناسبة النصوص القرآنية الكثيرة - عن طبيعة هذه المعركة , الطويلة , ومسائلها وأشكالها . فحسبنا هذه الإشارات السريعة هنا بالإحالة على بعض المراجع الأخرى القريبة .

وهكذا نرى من هذا الاستعراض السريع - بالإضافة إلى ما قلناه من قبل عن طبيعة الإعلان الإسلامي العامبتحرير الإنسان , وتحفز الجاهلية في الأرض كلها لسحق الحركة التي تحمل هذا الإعلان العام وتنطلق به في الأرض كلها - أن هذه الأحكام الأخيرة الواردة في هذه السورة , هي المقتضى الطبيعي لهذه الحقائق كلها مجتمعة ; وأنها ليست أحكاماً محددة بزمان , ولا مقيدة بحالة . وإن كان هذا في الوقت ذاته لا ينسخ الأحكام المرحلية السابقة النسخ الشرعي الذي يمنع العمل بها في الظروف والملابسات التي تشابه الظروف والملابسات التي تنزلت فيها . فهناك دائماً طبيعة المنهج الإسلامي الحركية , التي تواجه الواقع البشري مواجهة واقعية , بوسائل متجددة , في المراحل المتعددة .

وحقيقة أن هذه الأحكام النهائية الواردة في هذه السورة كانت تواجه حالة بعينها في الجزيرة ; وكانت تمهيداً تشريعياً للحركة المتمثلة في غزوة تبوك , لمواجهة تجمع الروم على أطراف الجزيرة مع عمالهم للانقضاض على الإسلام وأهله - وهي الغزوة التي يقوم عليها محور السورة - ولكن وضع أهل الكتاب تجاه الإسلام وأهله لم يكن وليد مرحلة تاريخية معينة . إنما كان وليد حقيقة دائمة مستقرة ; كما أن حربهم للإسلام والمسلمين لم تكن وليدة فترة تاريخية معينة . فهي ما تزال معلنة ولن تزال . . إلا أن يرتد المسلمون عن دينهم تماماً ! . . وهي معلنة بضراوة وإصرار وعناد , بشتى الوسائل على مدار التاريخ ! ومن ثم فهذه الأحكام الواردة في هذه السورة أحكام أصيلة وشاملة وغير موقوتة بزمان ولا مقيدة بمكان . . ولكن العمل بالأحكام إنما يتم في إطار المنهج الحركي الإسلامي , الذي يجب أن يتم الفقه به , قبل أن يتحدث المتحدثون عن الأحكام في ذاتها . وقبل أن يحمل واقع ذراري المسلمين - الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - وضعفهم وانكسارهم على دين اللّه القوي المتين !

إن الأحكام الفقهية في الإسلام كانت - وستظل دائماً - وليدة الحركة وفق المنهج الإسلامي . والنصوص لا يمكن فهمها إلا باستصحاب هذه الحقيقة . . وفرق بعيد بين النظرة إلى النصوص كأنها قوالب في فراغ ; والنصوص في صورتها الحركية وفق المنهج الإسلامي . ولا بد من هذا القيد:" الحركة وفق المنهج الإسلامي " فليست هي الحركة المطلقة خارج المنهج ; بحيث نعتبر " الواقع البشري " هو الأصل أياً كانت الحركة التي أنشأته , ولكن" الواقع البشري " يصبح عنصراً أساسياً في فقه الأحكام إذا كان قد أنشأه المنهج الإسلامي ذاته .

وفي ظل هذه القاعدة تسهل رؤية تلك الأحكام النهائية في العلاقات بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم ; وهي تتحرك الحركة الحية ; في مجالها الواقعي ; وفق ذلك المنهج الحركي الواقعي الإيجابي الشامل . وحسبنا هذا التمهيد المجمل لنواجه في ظله النصوص القرآنية الواردة في هذا المقطع:

الدرس الأول:29 الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يدفعوا الجزية

(قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). .

هذه الآية - والآيات التالية لها في السياق - كانت تمهيداً لغزوة تبوك ; ومواجهة الروم وعمالهم من الغساسنة المسيحيين العرب . . وذلك يلهم أن الأوصاف الواردة فيها هي صفات قائمة بالقوم الموجهة إليهم الغزوة ; وأنها إثبات حالة واقعة بصفاتها القائمة . وهذا ما يلهمه السياق القرآني في مثل هذه المواضع . . فهذه الصفات القائمة لم تذكر هنا على أنها شروط لقتال أهل الكتاب ; إنما ذكرت على أنها أمور واقعة في عقيدة هؤلاءالأقوام وواقعهم ; وأنها مبررات ودوافع للأمر بقتالهم . ومثلهم في هذا الحكم كل من تكون عقيدته وواقعه كعقيدتهم وواقعهم . .

وقد حدد السياق من هذه الصفات القائمة:

أولاً:أنهم لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر .

ثانياً:أنهم لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله .

ثالثاً:أنهم لا يدينون دين الحق .

ثم بين في الآيات التالية كيف أنهم لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق . وذلك بأنهم:

أولاً:قالت اليهود عزير ابن اللّه وقالت النصارى المسيح ابن اللّه ; وأن هذا القول يضاهئ قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيين . فهم مثلهم في هذا الاعتقاد الذي لا يعد صاحبه مؤمناً باللّه ولا باليوم الآخر . [ وسنبين بالضبط كيف أنه لا يؤمن باليوم الآخر ] ,

ثانيا:اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه , والمسيح ابن مريم . وأن هذا مخالف لدين الحق . . وهو الدينونة للّه وحده بلا شركاء . . فهم بهذا مشركون لا يدينون دين الحق . .

ثالثاً:يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم . فهم محاربون لدين اللّه . ولا يحارب دين اللّه مؤمن باللّه واليوم الآخر يدين دين الحق أبداً .

رابعاً:يأكل كثير من أحبارهم ورهبانهم أموال الناس بالباطل . فهم إذن لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله [ سواء كان المقصود برسوله أو محمد [ ص ] ]:

وهذه الصفات كلها كانت واقعة بالقياس إلى نصارى الشام والروم . كما أنها واقعة بالقياس إلى غيرهم منذ أن حرفت المجامع المقدسة دين المسيح عليه السلام ; وقالت ببنوة عيسى عليه السلام , وبتثليث الأقانيم - على كل ما بين المذاهب والفرق من خلاف يلتقي كله على التثليث ! - على مدار التاريخ حتى الآن !

وإذن فهو أمر عام , يقرر قاعدة مطلقة في التعامل مع أهل الكتاب , الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم . . ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفراداً وطوائف بأعيانها لتترك بلا قتال كالأطفال والنساء والشيوخ والعجزة والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الأديرة . . . بوصفهم غير محاربين - فقد منع الإسلام أن يقاتل غير المحاربين من أية ملة - وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين . ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلاً أن يقع منهم الإعتداء . فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلاً - كما يقول المهزومون الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام الاتهام ! - فالاعتداء قائم ابتداء . الاعتداء على ألوهية اللّه ! والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير اللّه ! والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية اللّه - سبحانه - والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض , لا بد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة والحرب والعداء . . ولا مفر من مواجهة طبائع الأشياء !

إن هذه الآية تأمر المسلمين بقتال أهل الكتاب(الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر). . والذي يقولببنوة عزير للّه أو بنوة المسيح للّه لا يمكن أن يقال عنه:إنه يؤمن باللّه . وكذلك الذي يقول:إن اللّه هو المسيح ابن مريم . أو إن اللّه ثالث ثلاثة . أو إن اللّه تجسد في المسيح . . . إلى آخر التصورات الكنسية التي صاغتها المجامع المقدسة على كل ما بينها من خلاف ! . . والذين يقولون:إنهم لن يدخلوا النار إلا أياماً معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب أنهم أبناء اللّه وأحباؤه وشعب اللّه المختار , والذين يقولون:إن كل معصية تغفر بالاتحاد بالمسيح وتناول العشاء المقدس ; وأنه لا مغفرة إلا عن هذا الطريق ! هؤلاء وهؤلاء لا يقال:إنهم يؤمنون باليوم الآخر . .

وهذه الآية تصف أهل الكتاب هؤلاء بأنهم(لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله). وسواء كان المقصود بكلمة(رسوله)هو رسولهم الذي أرسل إليهم , أو هو النبي - [ ص ] - فالفحوى واحدة . ذلك أن الآيات التالية فسرت هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل . وأكل أموال الناس بالباطل محرم في كل رسالة وعلى يد كل رسول . . وأقرب النماذج لأكل أموال الناس بالباطل هو المعاملات الربوية . وهو ما يأخذه رجال الكنيسة مقابل " صك الغفران " ! وهو الصد عن دين اللّه والوقوف في وجهه بالقوة وفتنة المؤمنين عن دينهم . وهو تعبيد العباد لغير اللّه وإخضاعهم لأحكام وشرائع لم ينزلها اللّه . . فهذا كله ينطبق عليه:(ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله). . وهذا كله قائم في أهل الكتاب , كما كان قائماً يومذاك !

كذلك تصفهم الآية بأنهم(لا يدينون دين الحق). . وهذا واضح مما سبق بيانه . فليس بدين الحق أي اعتقاد بربوبية أحد مع اللّه . كما أنه ليس بدين الحق التعامل بشريعة غير شريعة اللّه , وتلقي الأحكام من غير اللّه , والدينونة لسلطان غير سلطان اللّه . وهذا كله قائم في أهل الكتاب , كما كان قائماً فيهم يومذاك . .

والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالهم ليس أن يسلموا . . فلا إكراه في الدين . ولكن أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . فما حكمة هذا الشرط , ولماذا كانت هذه هي الغاية التي ينتهي عندها القتال ?

إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين اللّه اعتقاداً وسلوكاً ; كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيين بين منهج اللّه ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب وواقعهم - وفق ما تصوره هذه الآيات - كما أن الواقع التاريخي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم ; وعدم إمكان التعايش بين المنهجين ; وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين اللّه فعلاً , وإعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآية [ وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضاً ! ] .

والإسلام - بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض - لابد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه ; ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق ; على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار , بلا إكراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك .

وإذن فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية , وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه , هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق ; حتى تستسلم ; وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلاً .

وعندئذ تتم عملية التحرير فعلاً , بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع . فإن لم يقتنع بقي على عقيدته , وأعطى الجزية . لتحقيق عدة أهداف:

أولها:أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين اللّه الحق .

وثانيها:أن يساهم في نفقات الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وحرماته التي يكفلها الإسلام لأهل الذمة [ الذين يؤدون الجزية فيصبحون في ذمة المسلمين وضمانتهم ] ويدفع عنها من يريد الاعتداء من الداخل أو من الخارج بالمجاهدين من المسلمين .

وثالثها:المساهمة في بيت مال المسلمين الذي يضمن الكفالة والإعاشة لكل عاجز عن العمل , بما في ذلك أهل الذمة , بلا تفرقة بينهم وبين المسلمين دافعي الزكاة .

ولا نحب أن نستطرد هنا إلى الخلافات الفقهية حول من تؤخذ منهم الجزية ومن لا تؤخذ منهم . ولا عن مقادير هذه الجزية . ولا عن طرق ربطها ومواضع هذا الربط . . ذلك أن هذه القضية برمتها ليست معروضة علينا اليوم , كما كانت معروضة على عهود الفقهاء الذين أفتوا فيها واجتهدوا رأيهم في وقتها .

إنها قضية تعتبر اليوم "تاريخية " وليست " واقعية" ] . . إن المسلمين اليوم لا يجاهدون ! . . ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون ! . . إن قضية " وجود " الإسلام ووجود المسلمين هي التي تحتاج اليوم إلى علاج !

والمنهج الإسلامي - كما قلنا من قبل مراراً - منهج واقعي جاد ; يأبى أن يناقش القضايا المعلقة في الفضاء ; ويرفض أن يتحول إلى مباحث فقهية لا تطبق في عالم الواقع - لأن الواقع لا يضم مجتمعاً مسلماً تحكمه شريعة اللّه , ويصرّف حياته الفقه الإسلامي - ويحتقر الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث في أقضية لا وجود لها بالفعل ; ويسميهم " الأرأيتيين" الذين يقولون:" أرأيت لو أن كذا وقع فما هو الحكم ? "

إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام . . أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق ; فيشهدوا أن لا إله إلا اللّه , وأن محمداً رسول اللّه . . ومن ثم يدينون للّه وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع ; ويطبقون هذا في واقع الحياة . . ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان . . ويؤمئذ - ويؤمئذ فقط - سيكون هناك مجال لتطبيق النصوص القرآنية والأحكام الإسلامية في مجال العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات . . ويومئذ - ويومئذ فقط - يجوز الدخول في تلك المباحث الفقهية , والاشتغال بصياغة الأحكام , والتقنين للحالات الواقعة التي يواجهها الإسلام بالفعل , لا في عالم النظريات !

وإذا كنا قد تعرضنا لتفسير هذه الآية - من ناحية الأصل والمبدأ - فإنما فعلنا هذا لأنها تتعلق بمسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة المنهج الإسلامي . وعند هذا الحد نقف , فلا نتطرق وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراماً لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال !

الدرس الثاني:30 كفر اليهود والنصارى بنسبة الولد لله

" وقالت اليهود:عزير ابن اللّه ; وقالت النصارى:المسيح ابن اللّه . ذلك قولهم بأفواههم , يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ? " . .

لما أمر اللّه المسلمين بقتال أهل الكتاب " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " . . كانت هنالك ملابسات في واقع المجتمع المسلم في المدينة - تحدثنا عنها في تقديم السورة وتقديم المقطع الأول منها - تدعو إلى توكيد هذا الأمر وتقويته ; وجلاء الأسباب والعوامل التي تحتمه ; وإزالة الشبهات والمعوقات التي تحيك في بعض النفوس تجاهه . وبخاصة أن طاعة هذا الأمر كانت تقتضي مواجهة الروم في أطراف الشام . والروم كانوا مرهوبين من العرب قبل الإسلام ; وكانوا مسيطرين على شمال الجزيرة لفترة طويلة ; ولهم أعوان من القبائلالعربية , وسلطنة خاضعة لنفوذهم هي سلطنة الغساسنة . . وحقيقة أن هذه لم تكن أول ملحمة يخوضها المسلمون مع الروم , بعد أن أعز اللّه أولئك العرب بالإسلام , وجعل منهم أمة تواجه الروم والفرس بعد أن كانوا قبائل لا تجرؤ ولا تفكر في الالتحام بالروم والفرس ; وكل ما عرف عنها من شجاعة إنما يتبدى في قتال بعضها لبعض , وفي الغارات والثارات والنهب والسلب ! ولكن مهابة الروم كانت ما تزال باقية في أعماق النفوس - وبخاصة تلك التي لم يتم انطباعها بالطابع الإسلامي الأصيل - وكانت آخر ملحمة كبيرة بين المسلمين والروم - وهي غزوة مؤتة - ليست في صالح المسلمين . وقد احتشد فيها من الروم وعملائهم من نصارى العرب ما روي أنه مائتا ألف !

كل هذه الملابسات - سواء ما يتعلق منها بتركيب المجتمع المسلم في هذه الفترة ; أو ما يختص برواسب المهابة للروم والتخوف من الالتحام معهم ; مضافاً إليها ظروف الغزوة ذاتها - وقد سميت غزوة العسرة لما سنبينه من الظروف التي أحاطت بها - وفوق ذلك كله شبهة أن الروم وعمالهم من نصارى العرب هم أهل كتاب . . كل هذه الملابسات دعت إلى زيادة الإيضاحات والبيانات القوية لتقرير حتمية هذا الأمر , وإزالة الشبهات والمعوقات النفسية , وجلاء الأسباب والعوامل لتلك الحتمية . .

وفي هذه الآية يبين السياق القرآني ضلال عقيدة أهل الكتاب هؤلاء ; وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب , والوثنيين من قدامى الرومان وغيرهم . وأنهم لم يستقيموا على العقيدة الصحيحة التي جاءتهم بها كتبهم ; فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب , وهم يخالفون في الاعتقاد الأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم . والذي يلفت النظر هو ذكر اليهود هنا وقولهم:عزير ابن اللّه ; في حين أن الآيات كانت بصدد التوجيه والتحضير لمواجهة الروم وحلفائهم من نصارى العرب . . وذلك - على ما نرجح - يرجع إلى أمرين:

الأول:أنه لما كان نص الآيات عاماً ; والأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون عاما ; فقد اقتضى السياق بيان الأصل الاعتقادي الذي يستند إليه هذا الأمر العام في شأن أهل الكتاب عامة من اليهود والنصارى سواء .

الثاني:أن اليهود كانوا قد رحلوا من المدينة إلى أطراف الشام ; بعدما اشتبكوا مع الإسلام والمسلمين في حرب مريرة منذ مقدم الرسول - [ ص ] - إلى المدينة . انتهت بإجلاء بني قينقاع وبني النضير إلى أطراف الشام ; هم وأفراد من بني قريظة . فكان اليهود يومئذ في طريق الانطلاق الإسلامي إلى أطراف الشام . مما اقتضى أن يشملهم ذلك الأمر , وأن يشملهم هذا البيان .

وقول النصارى:" المسيح ابن اللّه " معلوم مشهور ; وما تزال عليه عقائدهم حتى اللحظة منذ أن حرفها بولس , ثم تم تحريفها على أيدي المجامع المقدسة - كما سنبين - فأما قول اليهود:" عزير ابن اللّه " فليس شائعاً ولا معروفاً اليوم . والذي في كتب اليهود المدونة الباقية سفر باسم " عزرا " - وهو عزير - نعت فيه بأنه كاتب ماهر في توراة موسى , وأنه وجه قلبه لالتماس شريعة الرب . . ولكن حكاية هذا القول عن اليهود في القرآن دليل قاطع على أن بعضهم على الأقل - وبخاصة يهود المدينة - زعموا هذا الزعم , وراج بينهم ; وقد كان القرآن يواجه اليهود والنصارى مواجهة واقعية ; ولو كان فيما يحكيه من أقوالهم ما لا وجود له بينهم لكان هذا حجة لهم على تكذيب ما يرويه رسول اللّه - [ ص ] - ولما سكتوا عن استخدام هذا على أوسع نطاق !

وقد أورد المرحوم الشيخ رشيد رضا في الجزء العاشر من تفسير المنار [ ص 378 - ص 385 ] خلاصة مفيدة عن مكانة عزرا عند اليهود وعلق عليها كذلك تعليقاً مفيداً ننقل منه هنا فقرات تفيدنا في بيان حقيقة ما عليه اليهود إجمالاً . قال:

" جاء في دائرة المعارف اليهودية [ طبعة 1903 ] أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية الذي تفتحت فيه أزهاره وعبق شذا ورده . وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة [ وفي الأصل عربة أو مركبة الشريعة ] لو لم يكن جاء بها موسى [ التلمود 21ب ] فقد كانت نسيت . ولكن عزرا أعادها أو أحياها . ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات [ المعجزات ] كما رأوها في عهد موسى . . ا . . وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الأشورية - وكان يضع علامة على الكلمات التي يشك فيها - وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده .

وقال الدكتور جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس:عزرا [ عون ] كاهن يهودي وكاتب شهير سكن بابل مدة [ ارتحشثتا ] الطويل الباع ; وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عدداً وافراً من الشعب إلى أورشليم نحو سنة 457 ق . م [ عزرا ص 7 ] وكانت مدة السفر أربعة أشهر .

[ ثم قال:وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعاً يقابل بموضع موسى وإيليا ; ويقولون إنه أسس المجمع الكبير , وأنه جمع أسفار الكتاب المقدس , وأدخل الأحرف الكلدانية عوض العبرانية القديمة , وأنه ألف أسفار " الأيام " و " وعزرا " و " نحميا " .

" ثم قال:ولغة سفر " عزرا " من ص 4:8 - 6:19 كلدانية , وكذلك ص 7:1 - 27 , وكان الشعب بعد رجوعهم من السبي يفهمون الكلدانية أكثر من العبرانية . اه .

"وأقول:إن المشهور عند مؤرخي الأمم , حتى أهل الكتاب منهم , أن التوارة التي كتبها موسى عليه السلام ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه , قد فقدت قبل عهد سليمان عليه السلام . فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يوجد فيه غير اللوحين اللذين كتبت فيهما الوصايا العشر , كما تراه في سفر الملوك الأول . وأن [ عزرا ] هذا هو الذي كتب التوارة وغيرها بعد السبي بالحروف الكلدانية , واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها . ويقول أهل الكتاب:إن عزرا كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من اللّه . . وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم , وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن , حتى من تآليفهم , كذخيرة الألباب للكاثوليك - وأصله فرنسي - وقد عقد الفصلين الحادي عشر والثاني عشر لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى . ومنها قوله:

" جاء في سفر عزرا [ 4 ف 14 عدد 21 ] أن جميع الأسفار المقدسة حرقت بالنار في عهد " نبو خذ نصر " حيث قال:" إن النار أبطلت شريعتك فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت ! " ويزاد على ذلكأن عزرا أعاد بوحي الروح القدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار , وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون , ولذلك ترى ثرثوليانوس " والقديس " إيريناوس " والقديس " إيرونيموس " والقديس " يوحنا الذهبي " والقديس " باسيليوس " وغيرهم يدعون عزرا:مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود . . اه . .

إلى أن قال:

. . . " نكتفي بهذا البيان هنا ولنا فيه غرضان:[ أحدهما ]:أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم وأصل كتبهم المقدسة عندهم . [ وثانيهما ]:أن هذا المستند واهي النسيان متداعي الأركان , وهذا هو الذي حققه علماء أوربة الأحرار . فقد جاء في ترجمته من دائرة المعارف البريطانية بعد ذكر ما في سفره وسفر نحميا من كتابته للشريعة:أنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط , بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت قد اتلفت , وأعاد سبعين سفرا غير قانونية [ أبو كريف ] ثم قال كاتب الترجمة فيها:وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها من كتبها مöن المؤرخين بأقلامهم من تلقاء أنفسهم , ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر , فكتاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلاقاً . . [ انظر ص 14 ج 9 من الطبعة الرابعة عشرة سنة 1929 ] .

" وجملة القول:أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون عزيرا هذا حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب " ابن اللّه" . ولا ندري أكان إطلاقه عليه بمعنى التكريم الذي أطلق على إسرئيل وداود وغيرهما , أم بالمعنى الذي سيأتي قريباً عن فيلسوفهم [ فيلو ] وهو قريب من فلسفة وثنيي الهند التي هي أصل عقيدة النصارى . وقد اتفق المفسرون على أن إسناد هذا القول إليهم يراد به بعضهم لا كلهم . .

. . . " وأما الذين قالوا هذا القول من اليهود فهم بعض يهود المدينة , كالذين قال اللّه فيهم:" وقالت اليهود:يد اللّه مغلولة , غلت أيديهم " ! . . الآية . . والذين قال فيهم:" لقد كفر الذين قالوا:إن اللّه فقير ونحن أغنياء "رداً على قوله تعالى:" من ذا الذي يقرض اللّه قرضاً حسناً" . ويحتمل أن يكون قد سبقهم إليه غيرهم ولم ينقل إلينا . .

" روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ , وابن مردويه عن ابن عباس [ رضي ] قال:أتى رسول اللّه [ ص ] سلام بن مشكم , ونعمان بن أوفى , وأبو أنس وشاس بن قيس , ومالك بن الصيف , فقالوا:كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا , وأنت لا تزعم أن عزير ابن اللّه ?! . . . الخ .

ومن المعلوم أن بعض النصارى الذين قالوا:إن المسيح ابن اللّه كانوا من اليهود . وقد كان [ فيلو ] الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح يقول:إن للّه ابناً هو كلمته التي خلق بها الأشياء . فعلى هذا لا يبعد أن يكون بعض المتقدمين على عصر البعثة المحمدية قد قالوا:إن عزيرا ابن اللّه بهذا المعنى ] . .

ومن هذا البيان يتضح ما وراء حكاية القرآن لقول اليهود هذا - في هذه المناسبة التي يتوخاها السياق - فهي تقرير حقيقة ما عليه فريق من أهل الكتاب من فساد الاعتقاد , الذي لا يتفق معه أن يكونوا مؤمنين باللّه , أو أن يكونوا يدينون دين الحق . وهذه هي الصفة الأساسية التي قام عليها حكم القتال . وإن يكن القصد من القتال ليس هو اكراههم على الإسلام ; وإنما هو كسر شوكتهم التي يقفون بها في وجه الإسلام ; واستسلامهم لسلطانه ليتحرر الأفراد - في ظل هذا الاستسلام - من التأثر بالضغوط التي تقيد إرادتهم في اختيار دين الحق من غير إكراه من هنا أو من هناك .

أما قول النصارى " المسيح ابن اللّه " وأنه ثالث ثلاثة فهو - كما قلنا - شائع مشهور , وعليه جميع مذاهبهم منذ أن حرف بولس رسالة المسيح القائمة على التوحيد كبقية الرسالات ; ثم أتمت تحريفها المجامع المقدسة , وقضت على أصل فكرة التوحيد قضاء نهائياً !

وسنكتفي مرة أخرى بنقل ملخص جيد في عقائد النصارى عن تفسير المنار للأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا - جاء فيه بعنوان:" ثالوث:- " .

"كلمة تطلق عند النصارى على وجود ثلاثة أقانيم معاً في اللاهوت تعرف بالأب والابن والروح القدس , وهذا التعليم هو من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية والشرقية وعموم البروتستانت إلا ما ندر , والذين يتمسكون بهذا التعليم يذهبون إلى أنه مطابق لنصوص الكتاب المقدس , وقد أضاف اللاهوتيون إليه شروحاً وإيضاحات اتخذوها من تعاليم المجامع القديمة وكتابات آباء الكنيسة العظام . وهي تبحث عن طريقة ولادة الأقنوم الثاني وانبثاق الأقنوم الثالث , وما بين الأقانيم الثلاثة من النسبة , وصفاتهم المميزة وألقابهم . ومع أن لفظة ثالوث لا توجد في الكتاب المقدس , ولا يمكن أن يؤتى بآية من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث , قد اقتبس المؤلفون المسيحيون القدماء آيات كثيرة تشير إلى وجود صورة جمعية في اللاهوت ; ولكن إذ كانت تلك الآيات قابلة لتفاسير مختلفة كانت لا يؤتى بها كبرهان قاطع على تعليم الثالوث بل كرموز إلى الوحي الواضح الصريح الذي يعتقدون أنه مذكور في العهد الجديد . وقد اقتبس منه مجموعان كبيران من الآيات كحجج لإثبات هذا التعليم [ أحدهما ] الآيات التي ذكر فيها الأب والابن والروح القدس معاً [ والآخر ] التي ذكر فيها كل منهم على حدة والتي تحتوي على نوع أخص صفاتهم ونسبة أحدهم إلى الآخر .

" والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي . وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيين والغنوسطيين فإن ثيوفيلوس أسقف إنطاكية في القرن الثاني استعمل كلمة " ترياس " باليونانية , ثم كان " ترتليانوس " أول من استعمل كلمة " ترينيتاس " المرادفة لها ومعناها الثالوث , وفي الأيام السابقة للمجتمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم وعلى الخصوص في الشرق ; وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها أراتيكية ومن جملتها آراء الأبيونيين الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محضوالسابيليين الذين كانوا يعتقدون أن الأب والابن والروح القدس إنما هي صور مختلفة أعلن بها الله نفسه للناس "والأريوسيين" الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق منه قبل العالم , ولذلك هو دون الأب وخاضع له , "والمكدونيين" الذين أنكروا كون الروح القدس أقنوما .

وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة 325 للميلاد ومجمع القسطنينية سنة 381 وقد حكما بأن الابن والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن الروح القدس منبثق من الأب ومجمع طليطلة المنعقد سنة 589 حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن ايضا وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم قد أقامت الحجة فيما بعد علة تغيير القانون حاسبة ذلك بدعة .

" وعبارة(ومن الابن أيضاً)لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانية والكاثولكية وكتب اللوثيريين والكنائس المصلحة أثبتت تعليم الكنيسة الكاثوليكية للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيين وعدة طوائف جديدة كالسوسينيانيين والجرمانيين والموحدين والعموميين وغيرهم حاسبين ذلك مضادا للكتاب المقدس والعقل وقد أطلق "سويد تيراغ " الثالوث على أقنوم المسيح معلما بثالوث . ولكن لا ثالوث الأقاليم بل ثالوث الأقنوم . وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب وان الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن وان الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس وانتشار مذهب العقليين في الكنائس اللوثيرية والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوت بين عدد كبير من اللاهوتيين الجرمانيين

" وقد ذهب(كنت)إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على ثلاث صفات أساسية في اللاهوت وهي القدرة والحكمة والمحبة أو على ثلاثة فواعل عليا وهي الخلق والحفظ والضبط وقد حاول كل من هيجن وشلنغ أن يجعلا لتعليم الثالوث أساسا تخيليا وقد اقتدى بهما اللاهوتيين الجرمانيون المتأخرون وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أساس تخيلية ولاهويته وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأى الكنائسية بالتدقيق كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد آراء السابيليين على الخصوص " 1ه

ومن هذا العرض المجمل المفيد يتبين أن جميع الطوائف والمذاهب المسيحية الكنسية لا تدين دين الحق الذي يقوم على توحيد الله سبحانه وعلى أنه ليس كمثله شيء وإنه لا ينبثق منه -سبحانه- أحد !

وكثيراً ما ذكر " الأريوسون " على انهم " موحدون " وإطلاق اللفظ هكذا مضلل فالآريوسيون لا يوحدون التوحيد المفهوم من دين الله الحق إنما هم يخلطون ! فبينما هم يقررون أن المسيح ليس أزليا كالله -وهذا حق - يقررون في الوقت نفسه أنه(الابن)! وأنه مخلوق من(الأب)قبل خلق العالم ! وهذا لا يعتبر من " التوحيد " الحقيقي في شيء !

ولقد صدر حكم الله بالكفر الصريح على من يقولون:المسيح ابن الله . وعلى من يقولون:المسيح هو الله . وعلى من يقولون:إن الله ثالث ثلاثة . ولا تجتمع صفة الكفر وصفة الإيمان في عقيدة ولا في قلب . إنما هما أمران مختلفان !

والتعقيب القرآني على قول اليهود:" عزير ابن الله " . قول النصارى:" المسيح ابن الله يثبت أنهمفي هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبل ومعتقداتهم وتصوراتهم:

(ذلك قولهم بأفواههم , يضاهئون قول الذين كفروا من قبل). .

فهو أولاً يثبت أن هذا القول صادر منهم , وليس مقولاً عنهم . ومن ثم يذكر " أفواههم " لاستحضار الصورة الحسية الواقعية - على طريقة القرآن في التصوير - إذ أنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم . فهذه الزيادة ليست لغواً - تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً - وليست إطناباً زائداً , إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية ; فهي التي تستحضر " صورة " القول , وتحيلها واقعية كأنها مسموعة مرئية ! وذلك فضلاً على ما تؤديه من معنى بياني آخر - إلى جانب استحياء الصورة وإثباتها - وهو أن هذا القول لا حقيقة له في عالم الواقع ; إنما هو مجرد قول بالأفواه , ليس وراءه موضوع ولا حقيقة !

ثم نجيء إلى ناحية أخرى من الإعجاز القرآني الدال على مصدره الرباني . ذلك قول اللّه سبحانه:

(يضاهئون قول الذين كفروا من قبل).

ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية:إن المقصود بها أن قولتهم ببنوة أحد للّه , تماثل قول المشركين العرب ببنوة الملائكة للّه . . وهذا صحيح . . ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى . ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثاً بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند ومصر القديمة والإغريق . مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب - وبخاصة النصارى - وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم " بولس الرسول" أولاً ; ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيراً . .

إن الثالوث المصري المؤلف من أوزوريس وإيزيس وحوريس هو قاعدة الوثنية الفرعونية . وأزوريس يمثل [ الأب ] وحوريس يمثل [ الابن ] في هذا الثالوث .

وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة "الكلمة هي الإله الثاني" ويدعي أيضا "ابن اللّه البكر" .

والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم أو ثلاث حالات يتجلي فيها الإله:"برهما" في حالة الخلق والتكوين . و"فشنو" في حالة الحفظ والقوامة . و "سيفا" في حالة الإهلاك والإبادة . . وفي هذه العقيدة , أن "فشنو" هو [ الابن ] المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في [ برهما ] !

وكان الأشوريون يؤمنون بالكلمة , ويسمونها [ مردوخ ] ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن اللّه البكر !

وكان الإغريق يقولون بالإله المثلث الأقانيم . وإذا شرع كهنتهم في تقديم الذبائح يرشون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات , ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصابع , ويرشون المجتمعين حول المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات . . إشارة إلى التثليث . . وهذه الشعائر هي التي أخذتها الكنيسة بما وراءها من العقائد الوثنية وضمتها للنصرانية تضاهئ بها قول الذين كفروا من قبل !

ومراجعة عقائد الوثنيين القدامى - التي لم تكن معروفة وقت نزول القرآن - مع هذا النص القرآني: (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)- كما أنها تثبت أن أهل الكتاب لا يدينون دين الحق , ولا يؤمنون باللّه الإيمان الصحيح - تبين كذلك جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم , بالدلالة على مصدره , وأنه من لدن عليم خبير . .

السابق - التالي


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca