إن الندم والتوبة ليسا نهاية المطاف . ولكنه العمل الذي يعقب الندم والتوبة . فيصدق أو يكذب تلك المشاعر النفسية ويعمقها أو يكتسحها بعد أن تكون !
إن الإسلام منهج حياة واقعية , لا تكفي فيه المشاعر والنوايا , ما لم تتحول إلى حركة واقعية . وللنية الطيبة مكانها ; ولكنها هي بذاتها ليست مناط الحكم والجزاء . إنما هي تحسب مع العمل , فتحدد قيمة العمل . وهذا معنى الحديث:" إنما الأعمال بالنيات " . . الأعمال . . لا مجرد النيات !
الدرس الخامس:106 مخلفون بانتظار حكم الله
والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره , وقد وكل أمره إلى ربه:
(وآخرون مُرجَون لأمر اللّه , إما يعذبهم وإما يتوب عليهم , واللّه عليم حكيم). .
وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء .
وكان أمرهم موكولا إلى اللّه , لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد . . وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع , وكعب بن مالك , وهلال ابن أمية , الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة ! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - [ ص ] - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي .
روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال:لما نزلت هذه الآية . . يعني قوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). . أخذ رسول اللّه [ ص ] من أموالهم . . يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه . . فتصدق بها عنهم , وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة , ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء , ولم ينزل عذرهم , وضاقت عليهم الأرض بما رحبت , وهم الذين قال اللّه:(وآخرون مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم واللّه عليم حكيم). . فجعل الناس يقولون . هلكوا ! إذ لم ينزل لهم عذر . وجعل آخرون يقولون:عسى اللّه أن يغفر لهم ! فصاروا مرجئين لأمر اللّه , حتى نزلت: (لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة). . الذين خرجوا معه إلى الشام . . (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم , ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم). . ثم قال: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)- يعني المرجئين لأمر اللّه - نزلت عليهم التوبة فعموا بها , فقال: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم). . إلى قوله: (إن اللّه هو التواب الرحيم) . . [ وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد , وعن الضحاك وعن قتادة . وعن ابن إسحاق ] . فهذه الرواية أرجح واللّه أعلم .
ولما كان أمرهم مرجأ , فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه . إن شاء اللّه تعالى .
الدرس السادس:107 - 110 مسجد الضرار وجريمة المنافقين
(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً , وتفريقاً بين المؤمنين , وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى , واللّه يشهد إنهم لكاذبون . لا تقم فيه أبدا , لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه , فيه رجال يحبون أن يتطهروا , واللّه يحب المطهرين . أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خير ? أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ? واللّه لا يهدي القوم الظالمين . لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم , إلا أن تَقطع قلوبهم , واللّه عليم حكيم).