الدرس الثاني:113 - 116 عدم استغفار المؤمنين للكافرين وحقيقة موقف إبراهيم من أبيه والمؤمنون الذين اشترى اللّه منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , أمة وحدهم , العقيدة في اللّه بينهم هي وشيجة الارتباط والتجمع الوحيدة . وهذه السورة التي تقرر العلاقات الأخيرة بين الجماعة المسلمة ومن عداها , تحسم في شأن العلاقات التي لا تقوم على هذه الوشيجة . وبخاصة بعد ذلك التخلخل الذي أنشأه التوسع الأفقي الشديد في المجتمع المسلم عقب فتح مكة , ودخول أفواج كثيرة في الإسلام لم يتم انطباعها بطابعه ; وما تزال علاقات القربى عميقة الجذور في حياتها . والآيات التالية تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا تلك البيعة وبين من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولي قربى - بعد ما اختلفت الوجهتان واختلفت العاقبتان في الدنيا والآخرة:
(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه , فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه , إن إبراهيم لأواه حليم . وما كان اللّه ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون , إن اللّه بكل شيء عليم . إن اللّه له ملك السماوات والأرض , يحيي ويميت , وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير).
والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول اللّه - [ ص ] - أن يستغفر لهم ; فنزلت الآيات تقرر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلق بقرابات الدم , في غير صلة باللّه , لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه . . ما كان لهم قطعاً وليس من شأنهم أصلاً . . أما كيف يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم , فالأرجح أن يكون ذلك بموتهم على الشرك , وانقطاع الرجاء من أن تكون لهم هداية إلى الإيمان .
إن العقيدة هي العروة الكبرى التي تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية . فإذا انبتَّت وشيجة العقيدة انبتَّت الأواصر الأخرى من جذورها , فلا لقاء بعد ذلك في نسب , ولا لقاء بعد ذلك في صهر . ولا لقاء بعد ذلك في قوم . ولا لقاء بعد ذلك في أرض . . إما إيمان باللّه فالوشيجة الكبرى موصولة , والوشائج الأخرى كلها تنبع منها وتلتقي بها . أو لا إيمان فلا صلة إذن يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان :
(وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه , فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه , إن إبراهيم لأواه حليم).
فلا أسوة بإبراهيم في استغفاره لأبيه . فإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بسبب وعده له أن يستغفر له اللّه لعله يهديه , ذلك إذ قال له: (سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً , وأعتزلكم وما تدعون من دون اللّه وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً). . فلما أن مات أبوه على الشرك , وتبين إبراهيم أن أباه عدو للّه لا رجاء في هداه , (تبرأ منه)وقطع صلته به .
(إن إبراهيم لأواه حليم). .
كثير التضرع للّه , حليم على من آذاه . ولقد آذاه أبوه فكان حليماً ; وتبين أنه عدو للّه فتبرأ منه وعاد للّه ضارعاً .
وقد ورد أنه لما نزلت الآيتان خشي الذين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين أن يكونوا قد ضلوا لمخالفتهم عن أمر اللّه في هذا فنزلت الآية التالية تطمئنهم من هذا الجانب , وتقرر القاعدة الإسلامية:أنه لا عقوبة بغير نص ; ولا جريمة بغير بيان سابق على الفعل: