(وما كان اللّه ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون . إن اللّه بكل شيء عليم). . إن اللّه لا يحاسب الناس إلا على ما بين لهم أن يتقوه ويحذروه ولا يأتوه . وليس من شأنه أن يذهب بهدى قوم بعد إذ هداهم ويكلهم إلى الضلال لمجرد الفعل , ما لم يكن هذا الفعل مما نهاهم عنه قبلا . . ذلك أن الإنسان قاصر واللّه هو العليم بكل شيء . ومنه البيان والتعليم .
ولقد جعل اللّه هذا الدين يسراً لا عسراً , فبين ما نهى عنه بياناً واضحاً , كما بين ما أمر به بياناً واضحاً . وسكت عن أشياء لم يبين فيها بياناً - لا عن نسيان ولكن عن حكمة وتيسير - ونهى عن السؤال عما سكت عنه , لئلا ينتهي السؤال إلى التشديد . ومن ثم فليس لأحد أن يحرم شيئاً من المسكوت عنه , ولا أن ينهى عما لم يبينه اللّه . تحقيقاً لرحمة اللّه بالعباد . .
وفي نهاية هذه الآيات , وفي جو الدعوة إلى التجرد من صلات الدم والنسب , بعد التجرد من الأنفس والأموال يقرر أن الولي الناصر هو اللّه وحده . وأنه مالك السماوات والأرض ومالك الموت والحياة .
(إن اللّه له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت , وما لكم من دون اللّه من ولي ولا نصير).
فالأموال والأنفس , والسماوات والأرض , والحياة والموت , والولاية والنصرة . . كلها بيد اللّه دون سواه . وفي الصلة باللّه وحده كفاية وغناء .
وهذه التوكيدات المتوالية , وهذا الحسم القاطع في علاقات القرابة تدل على ما كان يعتور بعض النفوس من اضطراب وأرجحة بين الروابط السائدة في البيئة , ورابطة العقيدة الجديدة . مما اقتضى هذا الحسم الأخير , في السورة التي تتولى الحسم في كل علاقات المجتمع المسلم بما حوله . . حتى الاستغفار للموتى على الشرك قد لقي هذا التشديد في شأنه . . ذلك لتخلص القلوب من كل وشيجة إلا تلك الوشيجة .
إن التجمع على آصرة العقيدة وحدها هو قاعدة الحركة الإسلامية . فهو أصل من أصول الاعتقاد والتصور ; كما أنه أصل من أصول الحركة والانطلاق . . وهذا ما قررته السورة الحاسمة وكررته أيضاً . .
الدرس الثالث:117 - 118 توبة الله على المؤمنين وعلى صالحي المخلفين
ولما كانت تلك طبيعة البيعة , كان التخلف عن الجهاد للقادرين - أياً كانت الأسباب - أمراً مستنكراً عظيماً ; وكان ما بدا في الغزوة من التردد والتخلف ظاهرة لا بد من تتبعها والتركيز عليها . . وفي الآيات التالية يبين مدى فضل اللّه ورحمته بالمؤمنين إذ يتجاوز عما بدا من التردد والتخلف من المؤمنين المخلصين , ويتوب عليهم فيما وقع منهم من اخطاء صغرت أم كبرت . . كذلك يبين عن مصير الثلاثة الذين خلفوا بغير حكم في أمرهم - وهم المرجون لأمر اللّه الذين سبق ذكرهم - حتى نزل هذا الحكم بعد فترة من الزمان:
لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة , من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم , ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم . وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت , وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ; ثم تاب عليهم ليتوبوا . إن اللّه هو التواب الرحيم .
وتوبة اللّه على النبي - [ ص ] - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها ; والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه:(عفا اللّه عنك . لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين). . ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم . وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده