الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

في ظلال القرآن الكريم

عودة للآيات

التوبة

من الاية 117 الى الاية 118

لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبöيّö وَالْمُهَاجöرöينَ وَالأَنصَارö الَّذöينَ اتَّبَعُوهُ فöي سَاعَةö الْعُسْرَةö مöن بَعْدö مَا كَادَ يَزöيغُ قُلُوبُ فَرöيقٍ مّöنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهöمْ إöنَّهُ بöهöمْ رَؤُوفñ رَّحöيمñ (117) وَعَلَى الثَّلاَثَةö الَّذöينَ خُلّöفُواْ حَتَّى إöذَا ضَاقَتْ عَلَيْهöمُ الأَرْضُ بöمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهöمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مöنَ اللّهö إöلاَّ إöلَيْهö ثُمَّ تَابَ عَلَيْهöمْ لöيَتُوبُواْ إöنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحöيمُ (118)

[ ص ] - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين !

وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم). . وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم ! ثم ثبت اللّه قلبه ومضى بعد تردد .

ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر اللّه - سبحانه - أنه كان (ساعة العسرة). ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها [ ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام , ومن إمتاع الأسماع للمقريزي , ومن البداية والنهاية لابن كثير , ومن تفسير ابن كثير ]:

لما نزل قوله تعالى:(قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . .)أمر رسول اللّه - [ ص ] - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم [ ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريراً للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن ] وذلك في زمن عسرة من الناس , وشدة من الحر , وجدب من البلاء , وحين طابت الثمار , والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم , ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه . وكان رسول اللّه - [ ص ] - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها , وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له [ أي يقصد إليه ] إلا ما كان من غزوة تبوك , فإنه بينها للناس , لبعد الشقة , وشدة الزمان , وكثرة العدو الذي يصمد له , ليتأهب الناس لذلك أهبته . فأمر الناس بالجهاز , وأخبرهم أنه يريد الروم .

واستأذن بعض المنافقين رسول اللّه - [ ص ] - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم ! فأذن ! وفي هذا نزل عتاب اللّه لنبيه في الإذن مصدراً بالعفو عنه في اجتهاده:

(عفا اللّه عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ?). .

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض:لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد , وشكاً في الحق , وإرجافاً برسول اللّه - [ ص ] - فأنزل اللّه تبارك وتعالى فيهم:

(وقالوا:لا تنفروا في الحر , قل:نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون , فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون).

وبلغ رسول اللّه - [ ص ] - أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي , يثبطون الناس عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك ; فبعث إليهم النبي - [ ص ] - طلحة ابن عبيد اللّه في نفر من أصحابه , وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم , ففعل طلحة , فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله , واقتحم أصحابه فأفلتوا . ثم تاب الضحاك .

ثم إن رسول اللّه - [ ص ] - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع . وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون ; فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند اللّه . وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين , عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها . . قال ابن هشام:فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار , فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض " . وقال عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه -بإسناده - عن عبد الرحمن بن حباب السلمي , قال:خطب النبي - [ ص ] - فحث على جيش العسرة , فقال عثمان بن عفان:عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها . قال:ثم نزل مرقاة من المنبر , ثم حث , فقال عثمان:عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها . قال:فرأيت رسول اللّه - [ ص ] - يقول بيده هكذا يحركها [ وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ]:" ما على عثمان ما عمل بعد هذا " . . [ وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي , عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به . وقال:غريب من هذا الوجه ] . ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به , وقال:ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها . .

وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير , ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال:حث رسول اللّه - [ ص ] - على الصدقة [ يعني في غزوة تبوك ] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف [ أي درهم ] , فقال يا رسول اللّه , ما لي ثمانية آلاف , جئتك بنصفها وأمسكت نصفها . فقال:" بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " . وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال:يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر , صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي . قال:فلمزه المنافقون , وقالوا:ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء . وقالوا ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا ?!

وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل [ وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول اللّه - [ ص ] - ] إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه !

ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول اللّه - [ ص ] - وهم البكاءون . وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم , فاستحملوا رسول اللّه - [ ص ] - [ أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة ] , وكانوا أهل حاجة . فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه). فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون .

قال ابن إسحاق:فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغفل [ من السبعة البكائين ] وهما يبكيان فقال:ما يبكيكما ? قال:جئنا رسول اللّه - [ ص ] - ليحملنا , فلم نجد عنده ما يحملنا عليه , وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه . فأعطاهما ناضحاً له [ أي جملاً يستقي عليه الماء ] فارتحلاه . وزودهما شيئاً من تمر , فخرجا مع رسول اللّه [ ص ] .

زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق:وأما علبة بن زيد [ أحد البكائين ] فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه , ثم بكى وقال:اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه , ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به , ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه , وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض . . ثم أصبح مع الناس . فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" أين المتصدق هذه الليلة ? " فلم يقم أحد ! ثم قال:" أين المتصدق ? فليقم " فقام إليه فأخبره . فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" أبشر , فوالذي نفسي بيده , لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة " . .

ثم خرج رسول اللّه - [ ص ] - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفاً من أهل المدينة ومن قبائلالأعراب من حولها . وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب , منهم:كعب ابن مالك , ومرارة بن الربيع , وهلال بن أمية [ وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم ] وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي . . وضرب رسول اللّه - [ ص ] - عسكره على "ثنية الوداع" وضرب عبد اللّه بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة , أسفل منه , قال ابن إسحاق:[ وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين ] . . ولكن الروايات الأخرى تقول:إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة . . فلما سار رسول اللّه - [ ص ] - تخلف عنه عبد اللّه بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب .

ثم مضى رسول اللّه - [ ص ] - سائراً , فجعل يتخلف عنه الرجل , فيقولون:يا رسول اللّه , تخلف فلان , فيقول:" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم , وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " حتى قيل:يا رسول اللّه , قد تخلف أبو ذر , وأبطأ به بعيره , فقال:" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم , وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " . وتلوم أبو ذر على بعيره [ أي انتظر عليه ] , فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره , ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه - [ ص ] - ماشياً . ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض منازله , فنظر ناظر من المسلمين فقال:يا رسول اللّه , إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده . فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا:يا رسول اللّه , هو واللّه أبو ذر . فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" رحم اللّه أبا ذر , يمشي وحده , ويموت وحده , ويبعث وحده " .

ثم إن أبا خيثمة رجع - بعد أن سار رسول اللّه [ ص ] أياماً - إلى أهله في يوم حار , فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه [ أي في حديقته ] قد رشت كل واحدة منهما عريشها , وبردت له فيه ماء . وهيأت له فيه طعاماً . فلما دخل قام على باب العريش , فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له , فقال:رسول اللّه - [ ص ] - في الضحَ [ أي الشمس ] والريح والحر , وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ?! ما هذا بالنصف ! ثم قال:واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه - [ ص ] - فهيئا لي زاداً . ففعلتا . ثم قدم ناضحه فارتحله , ثم خرج في طلب رسول اللّه - [ ص ] - حتى أدركه حين نزل تبوك . . وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول اللّه - [ ص ] - فترافقا , حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب:إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول اللّه - [ ص ] - ففعل . حتى إذا دنا من رسول اللّه - [ ص ] - وهو نازل بتبوك قال الناس:هذا راكب على الطريق مقبل . فقال رسول اللّه - [ ص ] -:" كن أبا خيثمة " . فقالوا:يا رسول اللّه , هو واللّه أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول اللّه - [ ص ] - فقال له رسول اللّه [ ص ] " أولى لك يا أبا خيثمة ! " . ثم أخبر رسول اللّه - [ ص ] - الخبر . فقال له رسول اللّه - [ ص ] - خيرا , ودعا له بخير .

قال ابن إسحاق:وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف , ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له:"مُخشن بن حُمير" [ قال ابن هشام:ويقال:مخشى ] يشيرون إلى رسول اللّه - [ ص ] - وهو منطلق إلى تبوك , فقال بعضهم لبعض:أتحسبون جلاد بني الأصفر[ يعنون الروم ] كقتال العرب بعضهم بعضاً ? واللّه لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال . . إرجافاً وترهيباً للمؤمنين . . فقال مخشن بن حمير:واللّه لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة , وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه . وقد قال رسول اللّه [ ص ] - فيما بلغني - لعمار بن ياسر:" أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل:بلى قلتم كذا وكذا " . فانطلق إليهم عمار , فقال ذلك لهم , فأتوا رسول اللّه - [ ص ] - يعتذرون إليه , فقال وديعة بن ثابت , ورسول اللّه - [ ص ] - واقف على ناقته , فجعل يقول وهو آخذ بحقبها [ وهو الحبل يشد على بطن البعير ] يا رسول اللّه , إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل اللّه عز وجل:(ولئن سألتهم ليقولن:إنما كنا نخوض ونلعب . قل:أباللّه وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ?)وقال مخشن بن حمير:يا رسول اللّه , قعد بي اسمي واسم أبي ! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير . فتسمى عبد الرحمن . وسأل اللّه تعالى أن يقتله شهيداً لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة , فلم يوجد له أثر . .

قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال:لما قفل رسول اللّه - [ ص ] من تبوك - بعدما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حرباً - هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك به , وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق , فأخبر بخبرهم , فأمر الناس بالمسير من الوادي , وصعد هو العقبة , وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا , وأمر رسول اللّه - [ ص ] - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه . عمار آخذ بزمام الناقة , وحذيفة يسوقها ; فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم , فغضب رسول اللّه - [ ص ] - وأبصر حذيفة غضبه , فرجع إليهم ومعه محجن , فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه , فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم ; فأسرعوا حتى خالطوا الناس ; وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللّه - [ ص ] - فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة , ووقفوا ينتظرون الناس . ثم قال رسول اللّه - [ ص ] - لحذيفة:" هل عرفت هؤلاء القوم ? " قال:ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم . ثم قال:" علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب ? " قالا:لا . فأخبرهما بما كانوا تمالأوا عليه , وسماهم لهما , واستكتمهما ذلك , فقالا:يا رسول اللّه , أفلا تأمر بقتلهم ? فقال:" أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه " . .

قال ابن كثير في البداية والنهاية:

وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - [ ص ] - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده . وهذا هو الأشبه , واللّه أعلم . .

فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها . . قال ابن كثير في التفسير:

قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية:(لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم , ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم). . في غزوة تبوك . وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر , في سنة مجدبة , وحر شديد , وعسر من الزاد والماء . . قال قتادة:خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر , على ما يعلم اللّه من الجهد , فأصابهم فيها جهد شديدحتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما , وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها , ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها , فتاب اللّه عليهم وأقفلهم من غزوتهم .

وروى ابن جرير - بإسناده - إلى عبد اللّه بن عباس:أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة , فقال عمر بن الخطاب:خرجنا مع رسول اللّه - [ ص ] - إلى تبوك , فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع , وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع , وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه , ويجعل ما بقي على كبده .

وقال ابن جرير في قوله: (لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة)- أي من النفقة والظهر والزاد والماء - (من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم)- أي عن الحق , ويشك في دين الرسول - [ ص ] ويرتاب للذي نالهم من المشقة ولشدة في سفرهم وغزوهم - (ثم تاب عليهم)يقول:ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه (إنه بهم رؤوف رحيم). .

ولعل هذا الاستعراض أن يصور لنا اليوم كيف كانت(العسرة)كما ينقل لنا لمحة من الجو الذي عاشه المجتمع المسلم في تلك الفترة ; يتجلى فيها تفاوت المقامات الإيمانية ; من اليقين الجاد عند طائفة . إلى الزلزلة والأرجحة تحت مطارق العسرة عند طائفة . إلى القعود والتخلف - بغير ريبة - عند طائفة . إلى النفاق الناعم عند طائفة . إلى النفاق الفاجر عند طائفة . إلى النفاق المتآمر عند طائفة . . مما يشي أولاً بالحالة العامة للتركيب العضوي للمجتمع في هذه الفترة ; ويشي ثانياً بمشقة الغزوة - في مواجهة الروم ومع العسرة - هذه المشقة الممحصة . الممتحنة الكاشفة ; والتي لعل اللّه سبحانه قد قدرها من أجل التمحيص والكشف والتمييز .

حديث كعب بن مالك عن المخلفين الثلاثة

هذه هي العسرة التي تخلف فيها المتخلفون وكثرتهم من المنافقين الذين سلف بيان أمرهم . ومن المؤمنين الذين لم يقعدوا شكاً ولا نفاقاً , إنما قعدوا كسلاً واسترواحاً للظلال في المدينة . وهؤلاء جماعتان ; جماعة قضي في أمرهم من قبل , وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً , واعترفوا بذنوبهم , وجماعة أخرى: (مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)وهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا , أي تركوا بلا حكم . وأرجئوا حتى يحكم اللّه فيهم . وهنا تفصيل أمرهم بعد الإرجاء في الحكم والإرجاء في السياق . .

وقبل أن نقول نحن عن هؤلاء شيئاً في تفسير النص المصور لحالهم ; وقبل أن نعرض الصورة الفنية المعجزة التي رسمها التعبير لهم ولحالهم , ندع أحدهم يتحدث عما كان . . هو كعب بن مالك - رضي اللّه عنه -:أخرج أحمد والبخاري ومسلم من طريق الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك أن عبد اللّه بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال:سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة تبوك , قال كعب:لم أتخلف عن رسول اللّه - [ ص ] - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك , غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها , إنما خرج رسول اللّه - [ ص ] - المسلمون يريدون عير قريش حتى جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد .

ولقد شهدت مع رسول اللّه [ ص ] ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام , وما أحب أن لي بها مشهد بدر , وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر , وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللّه [ ص ] في غزوة تبوك , أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة , واللّهما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ; وكان رسول اللّه [ ص ] قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة , فغزاها رسول اللّه [ ص ] في حر شديد , واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز , واستقبل عدواً كثيراً , فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم , فأخبرهم بوجههم الذي يريد , والمسلمون مع رسول اللّه [ ص ] كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - .

قال كعب رضي اللّه عنه:فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عز وجل . وغزا رسول اللّه [ ص ] تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال , وأنا إليها أصغو , فتجهز إليها رسول اللّه [ ص ] والمسلمون معه , وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً , فأقول لنفسي:قادر على ذلك إن أردت . فلم يزل ذلك يتهادى بي حتى استمر بالناس الجد , فأصبح رسول اللّه [ ص ] غادياً والمسلمون معه ولم أقض في جهازي شيئاً , فلم يزل يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو , فهممت أن أرتحل فأدركهم , وليت أني فعلت ; ثم لم يقدر لي ذلك , فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه [ ص ] يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق , أو رجلاً ممن عذر اللّه . ولم يذكرني رسول اللّه [ ص ] حتى بلغ تبوك , فقال وهو جالس في القوم بتبوك:" ما فعل كعب بن مالك " ? فقال رجل من بني سلمة:يا رسول اللّه حبسه برداه والنظر في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل:بئسما قلت , واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عنه إلا خيراً .

فسكت رسول اللّه [ ص ] .

قال كعب بن مالك:فلما بلغني أن رسول اللّه [ ص ] توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي , فطفقت أتذكر الكذب , وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً ? وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي . فلما قيل:إن رسول اللّه [ ص ] قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً , فأجمعت صدقه , وأصبح رسول اللّه [ ص ] قادماً , وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس , فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له . وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً ; فقبل رسول اللّه [ ص ] منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم , ووكل سرائرهم إلى اللّه ; حتى جئت ; فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي:" تعال " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه , فقال لي:" ما خلفك ? ألم تكن قد اشتريت ظهرك ? " فقلت يا رسول اللّه , واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر , لقد أعطيت جدلاً , ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي , ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه , وإني لأرجو فيه عقبى من اللّه . واللّه ما كان لي عذر , واللّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ! فقال [ ص ]:" أما هذا فقد صدق , فقم حتى يقضي اللّه فيك " فقمت . وبادرني رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي:واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا , لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه [ ص ] بما اعتذر به المتخلفون , فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه [ ص ] . قال:فواللّه ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه [ ص ] فأكذب نفسي , ثم قلت لهم:هل لقي هذا معي أحد ? قالوا:نعم , لقيه معك رجلان قالا ما قلت , وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت:من هما ? قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي , فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً , لي فيهما أسوة , فمضيت حين ذكروهما لي .

قال:ونهى رسول اللّه [ ص ] الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه , فاجتنبنا الناس - أو قال تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض , فما هي بالأرض التي كنت أعرف , فلبثنا على ذلك خمسين ليلة , فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما . وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم , فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد , وآتي رسول اللّه [ ص ] فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي:هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ? ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر , فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي , فإذا التفت نحوه أعرض عني , حتى إذا طال ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه . فواللّه ما رد علي السلام . فقلت له:يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى . هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله ? قال فسكت , قال فعدت فنشدته فسكت ; فعدت فنشدته . قال:اللّه ورسوله أعلم . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار .

وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول:من يدل على كعب ابن مالك ? فطفق الناس يشيرون له إلي , حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان , وكنت كاتباً , فقرأته فإذا فيه:

أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك , ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة , فالحق بنا نواسك . فقلت حين قرأتها:وهذه أيضاً من البلاء . فتيممت بها التنور فسجرتها . . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ برسول رسول اللّه [ ص ] يأتيني فقال:إن رسول اللّه - [ ص ] - يأمرك أن تعتزل امرأتك , فقلت:أطلقها أم ماذا أفعل ? قال:بل اعتزلها ولا تقربنها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك . فقلت لامرأتي:الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه في هذا الأمر . فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه [ ص ] فقالت:يا رسول اللّه , إن هلالاً شيخ ضائغ , وليس له خادم , فهل تكره أن أخدمه ? قال " لا , ولكن لا يقربنك " فقالت:إنه واللّه ما به من حركة إلى شيء , وواللّه ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي:لو استأذنت رسول اللّه [ ص ] في امرأتك ! فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه . فقلت:واللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه - [ ص ] - وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب .

قال:فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا . قال:ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا , فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت , سمعت صارخاً أوفى على جبل سَلع يقول بأعلى صوته:يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجداً ; وعرفت أن قد جاء الفرج ; فآذن رسول اللّه [ ص ] بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر . فذهب الناس يبشروننا , وذهب قبل صاحبي مبشرون , وركض إليَّ رجل فرساً وسعى ساع من أسلم قöبلي , وأوفى على الجبل , فكان الصوت أسرع من الفرس , فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته , واللّه ما أملك غيرهما يومئذ ; فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول اللّه - [ ص ] - يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة ويقولون:

ليهنك توبة اللّه عليك . حتى دخلت المسجد , فإذا رسول اللّه - [ ص ] - جالس في المسجد وحوله الناس , فقام إليّ طلحة ابن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني , واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره , قال:فكان كعب رضي اللّه عنه لا ينساها لطلحة .

السابق - التالي


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca