|
في ظلال القرآن
الكريم
التوبة من الاية 119 الى الاية 119 يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادöقöينَ (119)
قال كعب رضي اللّه عنه:فلما سلمت على رسول اللّه [ ص ] قال وهو يبرق وجهه من السرور:" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قلت:أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ? قال:" لا بل من عند اللّه " وكان رسول اللّه - [ ص ] - إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر , وكنا نعرف ذلك منه . فلما جلست بين يديه قلت:يا رسول اللّه , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله [ ص ] , قال:" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " فقلت:إني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت يا رسول اللّه إنما أنجاني اللّه بالصدق , وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت . فواللّه ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه اللّه من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - أحسن مما أبلاني اللّه تعالى , واللّه ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - إلى يومي هذا كذباً , وإني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقي . وأنزل اللّه: لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . قال كعب:فواللّه ما أنعم اللّه علي من نعمة قط بعد أن هداني اللّه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللّه - [ ص ] - يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه . فإن اللّه قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد , فقال (سيحلفون باللّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس - إلى قوله - الفاسقين). هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا - كما رواها أحدهم كعب بن مالك - وفي كل فقرة منها عبرة , وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي , ومتانة بنائها , وصفاء عناصرها , ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة , ولتكاليف الدعوة , ولقيمة الأوامر , ولضرورة الطاعة . فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول اللّه - [ ص ] - في ساعة العسرة . يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة , فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب . ولكن كعباً ما يلبث بعد خروج رسول اللّه - [ ص ] - أن يحس ما فعل , يشعره به كل ما حوله:" فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه - [ ص ] - يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق , أو رجلاً ممن عذر اللّه " - يعني بمن عذر اللّه الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون . فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول اللّه - [ ص ] - الى الغزوة البعيدة الشقة . لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم النفاق , وإلا العاجزون الذين عذرهم اللّه . أما القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة فكانت أقوى روحاً من العسرة , وأصلب عوداً من الشدة . . هذه واحدة . والثانية هي التقوى . التقوى التي تلجئ المخطئ إلى الصدق والإقرار . والأمر بعد ذلك للّه:" فقلت:يا رسول اللّه , واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر . لقد أعطيت جدلاً . ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي . ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى من اللّه . واللّه ما كان لي عذر . واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك " . فاللّه حاضر في ضمير المؤمن المخطئ . ومع حرصه البالغ على رضى رسول اللّه - [ ص ] - وهذا الرضى يومئذ يعز ويذل ويرفع ويخفض ويترك المسلم مرموقاً بالأنظار أو مهملاً لا ينظر إليه إنسان - مع هذا فإن مراقبة اللّه أقوى وتقوى اللّه أعمق ; والرجاء في اللّه أوثق . " ونهى رسول اللّه - [ ص ] - الناس عن كلامنا . أيها الثلاثة . من بين من تخلف عنه , فاجتنبنا الناس - أو قال:تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما ; وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين , وأطوف بالأسواق , فلا يكلمني أحد . وآتي رسول اللّه - [ ص ] - فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة , وأقول في نفسي:هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ? ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر , فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي , فإذا التفت نحوه أعرض عني . حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فواللّه ما رد علي السلام . فقلت له:يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى . هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله ? قال:فسكت . قال:فعدت فنشدته فسكت , فعدت فنشدته . قال:" اللّه ورسوله أعلم " . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار " . . هكذا كان الضبط , وهكذا كانت الطاعة في الجماعة المسلمة - على الرغم من كل ما وقع من خلخلة بعد الفتح ومن بلبلة في ساعة العسرة - . . نهى رسول اللّه [ ص ] عن كلامنا أيها الثلاثة . فلا مخلوق يفتح فمه بكلمة , ولا مخلوق يلقى كعباً بأنس , ولا مخلوق يأخذ منه أو يعطي . حتى ابن عمه وأحب الناس إليه , وقد تسور عليه داره , لا يرد عليه السلام , ولا يجيبه عن سؤال . فإذا أجاب بعد الإلحاح لم يطمئن لهفته ولم يسكن قلقه , إنما قال:" اللّه ورسوله أعلم " . وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - [ ص ] - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول اللّه قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها , ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة , ولم يكتب له الذبول والجفاف ! وبينما هو طريد شريد , لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة - ولو على سبيل الصدقة - يجيئه من قبل ملك غسان كتاب يمنيه بالعزة والكرامة والمجد والجاه . . ولكنه بحركة واحدة يعرض عن هذا كله , وما يزيد على أن يلقي بالكتاب إلى النار , ويعد هذا بقية من البلاء , ويصبر على الابتلاء . وتمتد المقاطعة فتعزل عنه زوجه . لتدعه فريدا طريدا من الأنس كله , مخلفاً بين الأرض والسماء . فيخجل أن يراجع رسول اللّه - [ ص ] - في امرأته , لأنه لا يدري كيف يكون الجواب . هذه صفحة . والصفحة الأخرى هي صفحة البشرى . بشرى القبول . بشرى العودة إلى الصف . بشرى التوبة من الذنب . بشرى البعث والعودة إلى الحياة . . "فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه منا . قد ضاقت علي نفسي , وضاقت علي الأرض بما رحبت , سمعت صارخاً أوفى َ على جبل سلع يقول بأعلى صوته:يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج . فآذن رسول اللّه - [ ص ] - بتوبة اللّه علينا حين صلى الفجر , فذهب الناس يبشروننا وذهب قöبلَ صاحبيّ مبشرون , وركض إلي رجل فرساً , وسعى ساع من أسلم قöبلي وأوفى على الجبل , فكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته . واللّه ما أملك غيرهما يومئذ , فاستعرت ثوبين فلبستهما , فانطلقت أؤم رسول اللّه - [ ص ] - يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة , ويقولون:ليهنك توبة اللّه عليك . حتى دخلت المسجد فإذا رسول اللّه - [ ص ] - جالس في المسجد وحوله الناس , فقام إلي طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني , واللّه ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره . قال:فكان كعب لا ينساها لطلحة " . . هكذا كانت الأحداث تقدر وتقوّم في هذه الجماعة . وهكذا كانت توبة مقبولة تستقبل وتعظم ; كانت بشرى يركض بها الفارس إلى صاحبها , ويهتف بها راكب الجبل ليكون أسرع بشارة . وكانت التهنئة بها والاحتفاء بصاحبها جميلاً لا ينساه الطريد الذي رد إلى الجماعة واتصلت بها وشائجه , فهو في يوم كما قال عنه رسول اللّه - [ ص ] -:" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك " قالها - [ ص ] - وهو يبرق وجهه من السرور , كما قال كعب , فهذا القلب الكبير الكريم الرحيم قد فاض به السرور أن تقبل اللّه توبة ثلاثة من أصحابه وردهم مكرمين إلى جماعته . تلك هي قصة الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب اللّه عليهم , وهذه هي بعض لمحات من دلالتها الواضحة على حياة الجماعة الإسلامية , وعلى القيم التي كانت تعيش بها . والقصة كما رواها أحد أصحابها , تقرب إلى نفوسنا معنى الآية: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت , وضاقت عليهم أنفسهم , وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه . .). . (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت). . فما الأرض ? إن هي إلا بأهلها . إن هي إلا بالقيم السائدة فيها . إن هي إلا بالوشائج والعلاقات بين أصحابها . فالتعبير صادق في مدلوله الواقعي فوق صدقه في جماله الفني , الذي يرسم هذه الأرض تضيق بالثلاثة المخلفين , وتتقاصر أطرافها , وتنكمش رقعتها , فهم منها في حرج وضيق . (وضاقت عليهم أنفسهم). . فكأنما هي وعاء لهم تضيق بهم ولا تسعهم , وتضغطهم فيتكرب أنفاسهم . (وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه). . وليس هناك ملجأ من اللّه لأحد , وهو آخذ بأقطار الأرض والسماوات . ولكن ذكر هذه الحقيقة هنا في هذا الجو المكروب يخلع على المشهد ظلاً من الكربة واليأس والضيق , لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى اللّه مفرج الكروب . . ثم يجيء الفرج . . (ثم تاب عليهم ليتوبوا إن اللّه هو التواب الرحيم). تاب عليهم من هذا الذنب الخاص , ليتوبوا توبة عامة عن كل ما مضى , ولينيبوا إلى اللّه إنابة كاملة في كل ما سيأتي . ومصداق هذا في قول كعب:قلت:يا رسول اللّه , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله . قال:" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قال فقلت:فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت:يا رسول اللّه إنما نجاني اللّه بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت . قال:فواللّه ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه اللّه من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - أحسن مما أبلاني اللّه تعالى . واللّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللّه - [ ص ] - إلى يومي هذا , وإني لأرجو أن يحفظني اللّه عز وجل فيما بقي . ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا - في ظلال القرآن - مع هذه القصة الموحية ومع التعبير القرآني الفريد فيها . فحسبنا هنا ما وفق اللّه إليه فيها . الدرس الرابع:119 دعوة إلى الصدق والترغيب في الجهاد وفي ظل قصة التوبة على الذين ترددوا والذين تخلفوا ; وفي ظل عنصر الصدق البادي في قصة الثلاثة الذين خلفوا ; يجيء الهتاف للذين آمنوا جميعاً أن يتقوا اللّه ويكونوا مع الصادقين في إيمانهم من أهل السابقة ; ويجيء التنديد بتخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب , مع الوعد بالجزاء السخي للمجاهدين: يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين . ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه , ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه , ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه , ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار , ولا ينالون من عدو نيلاً , إلا كتب لهم به عمل صالح , إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة , ولا يقطعون وادياً , إلا كتب لهم , ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون . . إن أهل المدينة هم الذين تبنوا هذه الدعوة وهذه الحركة , فهم أهلها الأقربون . وهم بها ولها . وهم الذين آووا رسول اللّه - [ ص ] - وبايعوه ; وهم الذين باتوا يمثلون القاعدة الصلبة لهذا الدين في مجتمع الجزيرة كله . وكذلك القبائل الضاربة من حول المدينة وقد أسلمت ; وباتت تؤلف الحزام الخارجي للقاعدة . . فهؤلاء وهؤلاء ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول اللّه , وليس لهم أن يؤثروا أنفسهم على نفسه . . وحين يخرج رسول اللّه - [ ص ] - في الحر أوالبرد . في الشدة أو الرخاء . في اليسر أو العسر . ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها , فإنه لا يحق لأهل المدينة , أصحاب الدعوة , ومن حولهم من الأعراب , وهم قريبون من شخص رسول اللّه - [ ص ] - ولا عذر لهم في ألا يكونوا قد علموا , أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول اللّه [ ص ] . من أجل هذه الاعتبارات يهتف بهم أن يتقوا اللّه وأن يكونوا مع الصادقين , الذين لم يتخلفوا , ولم تحدثهم نفوسهم بتخلف , ولم يتزلزل إيمانهم في العسرة ولم يتزعزع . . وهم الصفوة المختارة من السابقين والذين اتبعوهم بإحسان: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين). ثم يمضي السياق بعد هذا الهتاف مستنكراً مبدأ التخلف عن رسول اللّه: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله , ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه). وفي التعبير تأنيب خفي . فما يؤنب أحد يصاحب رسول اللّه - [ ص ] بأوجع من أن يقال عنه:إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول اللّه , وهو معه , وهو صاحبه ! وإنها لإشارة تلحق أصحاب هذه الدعوة في كل جيل . فما كان لمؤمن أن يرغب بنفسه عن مثل ما تعرضت له نفس رسول الله في سبيل هذه الدعوة ; وهو يزعم أنه صاحب دعوة ; وأنه يتأسى فيها برسول الله [ ص ] !
السابق - التالي
|