(فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون , وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون).
فأما الذين آمنوا فقد أضيفت إلى دلائل الإيمان عندهم دلالة فزادتهم إيمانا ; وقد خفقت قلوبهم بذكر ربهم خفقة فزادتهم إيمانا ; وقد استشعروا عناية ربهم بهم في إنزال آياته عليهم فزادتهم إيمانا . . وأما الذين في قلوبهم مرض , الذين في قلوبهم رجس من النفاق , فزادتهم رجسا إلى رجسهم , وماتوا وهم كافرون . . وهو نبأ من الله صادق , وقضاء منه سبحانه محقق .
وقبل أن يعرض السياق الصورة الثانية لاستجابتهم يسأل مستنكرا حال هؤلاء المنافقين الذين لا يعظهم الابتلاء , ولا يردهم الامتحان:
(أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ?).
والفتنة كانت تكون بكشف سترهم , أو بنصر المسلمين بدونهم , أو بغيرهما من الصور , وكانت دائمة الوقوع كثير التكرار في عهد الرسول [ ص ] وما يزال المنافقون يفتنون ولا يتوبون !
فأما الصورة الحية أو المشهد المتحرك فترسمه الآية الأخيرة , في شريط متحرك دقيق:
(وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض:هل يراكم من أحد ? ثم انصرفوا . صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون !).
وإننا - حين نتلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة . فإذا بعضهم ينظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب:
(هل يراكم من أحد ?). .
ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم يتسللون على أطراف الأصابع في حذر:
(ثم انصرفوا). .
تلاحقهم من العين التي لا تغفل ولا تنشغل دعوة قاصمة تناسب فعلتهم المريبة:
(صرف الله قلوبهم !). .
صرفها عن الهدى فإنهم يستحقون أن يظلوا في ضلالهم يعمهون: (بأنهم قوم لا يفقهون). .
عطلوا قلوبهم عن وظيفتها فهم يستحقون !
إنه مشهد كامل حافل بالحركة ترسمه بضع كلمات , فإذا هو شاخص للعيون كأنها تراه !
الدرس الثامن:128 - 129 من صفات الرسول الحانية ولجوءه إلى الله
وتختم السورة بآيتين ورد أنهما مكيتان , وورد أنهما مدنيتان . ونحن نأخذ بهذا الأخير , ونلمح مناسبتهما في مواضع متفرقة في هذا الدرس وفي جو السورة على العموم . آيتين تتحدث إحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه , وعن حرصه عليهم ورحمته بهم . ومناسبتها حاضرة في التكاليف التي كلفتها الأمة المؤمنة في مناصرة الرسول ودعوته وقتال أعدائه واحتمال العسرة والضيق . والآية الثانية توجيه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولى , فهو وليه وناصره وكافيه: