في كل زمان وفي كل مكان , فما هي قلة عارضة , إنما هي النموذج المكرور . وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة , وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب , واجتنبوا أداء الثمن الغالي , فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص ! (وسيحلفون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم). .
فهو الكذب المصاحب للضعف أبداً . وما يكذب إلا الضعفاء . أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين . فالقوي يواجه والضعيف يداور . وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام . .
(يهلكون أنفسهم). .
بهذا الحلف وبهذا الكذب , الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس , واللّه يعلم الحق , ويكشفه للناس , فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه , ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران .
(واللّه يعلم إنهم لكاذبون). .
(عفا اللّه عنك . لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين). . .
إنه لطف اللّه برسوله , فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب . فلقد تدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - [ ص ] - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير . وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير . وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم . فعندئذ تتكشف حقيقتهم , ويسقط عنهم ثوب النفاق , ويظهرون للناس على طبيعتهم , ولا يتوارون خلف إذن الرسول .
وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم , ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون .
(لا يستأذنك الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم واللّه عليم بالمتقين . إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر وارتابت قلوبهم , فهم في ريبهم يترددون).
وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ . فالذين يؤمنون باللّه , ويعتقدون بيوم الجزاء , لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ; ولا يتلكأون في تلبية داعي النفرة في سبيل اللّه بالأموال والأرواح ; بل يسارعون إليها خفافاً وثقالاً كما أمرهم اللّه , طاعة لأمره , ويقيناً بلقائه , وثقة بجزائه , وابتغاء لرضاه . وإنهم ليتطوعون تطوعاً فلا يحتاجون إلى من يستحثهم , فضلاً عن الإذن لهم . إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكأون ويتلمسون المعاذير , لعل عائقاً من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها , وهم يرتابون فيها ويترددون .
إن الطريق إلى اللّه واضحة مستقيمة , فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق , أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق !
ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج , لديهم وسائله , وعندهم عدته:
(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة). .