روى محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبي بكر وعاصم بن قتادة قالوا:قال رسول اللّه - [ ص ] - ذات يوم , وهو في جهازه [ أي لغزوة تبوك ] للجد بن قيس أخي بني سلمة:" هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر ? " [ يعنى الروم ] فقال:يا رسول اللّه أو تأذن لي ولا تفتني ? فواللّه لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني , وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن . فأعرض عنه رسول اللّه - [ ص ] - وقال:" قد أذنت لك " ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية .
بمثل هذه المعاذير كان المنافقون يعتذرون . والرد عليهم:
(ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين). .
والتعبير يرسم مشهداً كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون ; وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم , وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون . كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتماً , جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوى المنحط من المعاذير . وتقريراً لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون .
إنهم لا يريدون بالرسول خيراً ولا بالمسلمين ; وإنهم ليسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً:
(إن تصبك حسنة تسؤهم). .
وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة:
(وإن تصبك مصيبة يقولوا:قد أخذنا أمرنا من قبل). .
واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ , وتخلفنا عن الكفاح والغزو !
(ويتولوا وهم فرحون). .
بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء .
ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور , ويحسبون البلاء شراً في كل حال , ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود . وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه , والرضى بقدره , واعتقاد الخير فيه . والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى , اعتقاداً بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة اللّه , وأن اللّه ناصر له ومعين:
(قل:لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا هو مولانا وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون). .
واللّه قد كتب للمؤمنين النصر , ووعدهم به في النهاية , فمهما يصبهم من شدة , ومهما يلاقوا من ابتلاء , فهو إعداد للنصر الموعود , ليناله المؤمنون عن بينة , وبعد تمحيص , وبوسائله التي اقتضتها سنة اللّه , نصراً عزيزاً لا رخيصاً , وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء , صابرة على كل تضحية . واللّه هو الناصر وهو المعين:
(وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون). .
والاعتقاد بقدر اللّه , والتوكل الكامل على اللّه , لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق . فذلك أمر اللّه الصريح: