(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . .)وما يتكل على اللّه حق الاتكال من لا ينفذ أمر اللّه , ومن لا يأخذ بالأسباب , ومن لايدرك سنة اللّه الجارية التي لا تحابي أحداً , ولا تراعي خاطر إنسان !
على أن المؤمن أمره كله خير . سواء نال النصر أو نال الشهادة . والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين:
(قل:هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين , ونحن نتربص بكم أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا . فتربصوا إنا معكم متربصون). .
فماذا يتربص المنافقون بالمؤمنين ? إنها الحسنى على كل حال . النصر الذي تعلو به كلمة اللّه , فهو جزاؤهم في هذه الأرض . أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه . وماذا يتربص المؤمنون بالمنافقين ? إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ; أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين . . (فتربصوا إنا معكم متربصون)والعاقبة معروفة . . والعاقبة معروفة للمؤمنين .
الدرس الثالث:53 - 55 أسباب عدم قبول نفقة المنافقين وتعذيبهم بأموالهم
ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين , قد عرض ماله , وهو يعتذر عن الجهاد , ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان . فرد اللّه عليهم مناورتهم , وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند اللّه , لأنهم إنما ينفقون عن رياء وخوف , لا عن إيمان وثقة , وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين , أو عن كره خوفاً من انكشاف أمرهم , فهو في الحالتين مردود , لا ثواب له ولا يحسب لهم عند اللّه:
قل:أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم , إنكم كنتم قوماً فاسقين . وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا باللّه ورسوله , ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى , ولا ينفقون إلا وهم كارهون .
إنها صورة المنافقين في كل آن . خوف ومداراة , وقلب منحرف وضمير مدخول . ومظاهر خالية من الروح , وتظاهر بغير ما يكنه الضمير .
والتعبير القرآني الدقيق:
(ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى). .
فهم يأتونها مظهراً بلا حقيقة , ولا يقيمونها إقامة واستقامة . يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير , إنما يدفعون إليها دفعاً , فيحسون أنهم عليها مسخرون ! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين .
وما كان اللّه ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة , ولا يصاحبها شعور دافع . فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح .
ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد , وذوي جاه في قومهم وشرف . ولكن هذا كله ليس بشيء عند اللّه . وكذلك يجب ألا يكون شيئاً عند الرسول والمؤمنين . فما هي بنعمة يسبغها اللّه عليهم ليهنأوا بها , إنما هي الفتنة يسوقها اللّه إليهم ويعذبهم بها:
(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم , إنما يريد اللّه ليعذبهم بها في الحياة الدنيا , وتزهق أنفسهم وهم كافرون).