إن الأموال والأولاد قد تكون نعمة يسبغها اللّه على عبد من عباده , حين يوفقه إلى الشكر على النعمة , والإصلاح بها في الأرض , والتوجه بها إلى اللّه , فإذا هو مطمئن الضمير , ساكن النفس , واثق من المصير . كلما أنفق احتسب وشعر أنه قدم لنفسه ذخراً , وكلما أصيب في ماله أو بنيه احتسب , فإذا السكينة النفسية تغمره . والأمل في اللّه يسري عنه . . وقد تكون نقمة يصيب اللّه بها عبداً من عباده , لأنه يعلم من أمره الفساد والدخل , فإذا القلق على الأموال والأولاد يحول حياته جحيماً , وإذا الحرص عليها يؤرقه ويتلف أعصابه , وإذا هو ينفق المال حين ينفقه فيما يتلفه ويعود عليه بالأذي , وإذا هو يشقى بأبنائه إذا مرضوا ويشقى بهم إذا صحوا . وكم من الناس يعذبون بأبنائهم لسبب من الأسباب !
وهؤلاء الذين كانوا على عهد الرسول - [ ص ] - وأمثالهم في كل زمان , يملكون الأموال ويرزقون الأولاد , يعجب الناس ظاهرها , وهي لهم عذاب على نحو من الأنحاء . عذاب في الحياة الدنيا , وهم - بما علم اللّه من دخيلتهم - صائرون إلى الهاوية . هاوية الموت على الكفر والعياذ باللّه من هذا المصير .
والتعبير (وتزهق أنفسهم)يلقي ظل الفرار لهذه النفوس أو الهلاك . ظلاً مزعجاً لا هدوء فيه ولا اطمئنان , فيتسق هذا الظل مع ظل العذاب في الحياة الدنيا بالأموال والأولاد . فهو القلق والكرب في الدنيا والآخرة . وما يحسد أحد على هذه المظاهر التي تحمل في طياتها البلاء !
الدرس الرابع:56 صورة منفرة لجبن وهلع المنافقين
ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف , لا عن إيمان واعتقاد , ولكن عن خوف وتقية , وعن طمع ورهب . ثم يحلفون أنهم من المسلمين , أسلموا اقتناعاً , وآمنوا اعتقاداً . . فهذه السورة تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم , فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق:
(ويحلفون باللّه إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون . لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون). .
إنهم جبناء . والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهداً ويجسمه في حركة . حركة النفس والقلب , يبرزها في حركة جسد وعيان:
(لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون). .
فهم متطلعون أبداً إلى مخبأ يحتمون به , ويأمنون فيه . حصناً أو مغارة أو نفقاً . إنهم مذعورون مطاردون يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي . ومن هنا:
(يحلفون باللّه إنهم لمنكم). .
بكل أدوات التوكيد , ليداروا ما في نفوسهم , وليتقوا انكشاف طويتهم , وليأمنوا على ذواتهم . . وإنها لصورة زرية للجبن والخوف والملق والرياء . لا يرسمها إلا هذا الاسلوب القرآني العجيب . الذي يبرز حركات النفس شاخصة للحس على طريقة التصوير الفني الموحي العميق .
ثم يستمر سياق السورة في الحديث عن المنافقين , وما يند منهم من أقوال وأعمال , تكشف عن نواياهم