التي يحاولون سترها , فلا يستطيعون . فمنهم من يلمز النبي - [ ص ] - في توزيع الصدقات , ويتهم عدالته في التوزيع , وهو المعصوم ذو الخلق العظيم , ومنهم من يقول:هو أذن يستمع لكل قائل , ويصدق كل ما يقال , وهو النبي الفطن البصير , المفكر المدبر الحكيم . ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة , حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال . ومنهم من يخشى أن ينزل اللّه على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين . ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين , ببيان طبيعة النفاق والمنافقين , ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل , فأهلكهم اللّه بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم . ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين , الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون .
الدرس الخامس:58 - 60 لمز المنافقين للرسول بالصدقات وبيان مصارف الزكاة
(ومنهم من يلمزك في الصدقات , فإن أعطوا منها رضوا , وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون . ولو أنهم رضوا ما آتاهم اللّه ورسوله , وقالوا:حسبنا اللّه , سيؤتينا اللّه من فضله ورسوله , إنا إلى اللّه راغبون . إنما الصدقات للفقراء والمساكين , والعاملين عليها , والمؤلفة قلوبهم , وفي الرقاب , والغارمين , وفي سبيل الله وابن السبيل , فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم). .
من المنافقين من يغمزك بالقول , ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات , ويدعي أنك تحابي في قسمتها . وهم لا يقولون ذلك غضباً للعدل , ولا حماسة للحق , ولا غيرة على الدين , إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم , وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم:
(فإن أعطوا منها رضوا)ولم يبالوا الحق والعدل والدين !
(وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)!
وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية , تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول - [ ص ] - في عدالة التوزيع .
روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال:بينما النبي - [ ص ] - يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصر التميمي , فقال:أعدل يا رسول اللّه . فقال:" ويلك ! ومن يعدل إذا لم أعدل ? " فقال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - ائذن لي فأضرب عنقه . فقال رسول اللّه - [ ص ] - " دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم , وصيامه مع صيامهم , يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية . . . " قال أبو سعيد , فنزلت فيهم: (ومنهم من يلمزك في الصدقات).
وروى ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال:" لما قسم النبي - [ ص ] - غنائم حنين سمعت رجلاً يقول:إن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه . فأتيت النبي - [ ص ] - فذكرت له ذلك فقال:" رحمة اللّه على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " ونزل (ومنهم من يلمزك في الصدقات)"
وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال:أتى النبي - [ ص ] - بصدقة فقسمها ها هنا وها هنا حتى ذهبت , ورآه رجل من الأنصار فقال:ما هذا بالعدل . فنزلت هذه الآية .
وقال قتادة في قوله: (ومنهم من يلمزك في الصدقات)يقول:ومنهم من يطعن عليك في الصدقات . وذكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي - [ ص ] - وهو يقسم ذهباً