|
في ظلال القرآن
الكريم
الجاثية من الاية 1 الى الاية 3 حم (1) تَنزöيلُ الْكöتَابö مöنَ اللَّهö الْعَزöيزö الْحَكöيمö (2) إöنَّ فöي السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö لَآيَاتٍ لّöلْمُؤْمöنöينَ (3)
تعريف بسورة الجاثية هذه السورة المكية تصور جانباً من استقبال المشركين للدعوة الإسلامية , وطريقتهم في مواجهة حججها وآياتها , وتعنتهم في مواجهة حقائقها وقضاياها , واتباعهم للهوى اتباعاً كاملاً في غير ما تحرج من حق واضح أو برهان ذي سلطان . كذلك تصور كيف كان القرآن يعالج قلوبهم الجامحة الشاردة مع الهوى , المغلقة دون الهدى ; وهو يواجهها بآيات الله القاطعة العميقة التأثير والدلالة , ويذكرهم عذابه , ويصور لهم ثوابه , ويقرر لهم سننه , ويعرفهم بنواميسه الماضية في هذا الوجود . ومن خلال آيات السورة وتصويرها للقوم الذين واجهوا الدعوة في مكة , نرى فريقاً من الناس مصرا على الضلالة , مكابراً في الحق , شديد العناد , سيىء الأدب في حق الله وحق كلامه , ترسمه هذه الآيات , وتواجهه بما يستحقه من الترذيل والتحذير والتهديد بعذاب الله المهين الأليم العظيم: (ويل لكل أفاك أثيم . يسمع آيات الله تتلى عليه , ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها , فبشره بعذاب أليم . وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً , أولئك لهم عذاب مهين . من ورائهم جهنم , ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم). . ونرى جماعة من الناس , ربما كانوا من أهل الكتاب سيئي التصور والتقدير ; لا يقيمون وزناً لحقيقة الإيمان الخالصة , ولا يحسون بالفارق الأصيل بينهم وهم يعملون السيئات وبين المؤمنين الذين يعملون الصالحات . والقرآن يشعرهم بأن هناك فارقاً أصيلاً في ميزان الله بين الفريقين , ويقرر سوء حكمهم وسوء تصورهم للأمور ; وقيام الأمر في ميزان الله على العدل الأصيل في صلب الوجود كله منذ بدء الخلق والتكوين: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات , سواء محياهم ومماتهم ? ساء ما يحكمون ! وخلق الله السماوات والأرض بالحق , ولتجزى كل نفس بما كسبت , وهم لا يظلمون). . ونرى فريقاً من الناس لا يعرف حكماً يرجع إليه إلا هواه , فهو إلهه الذي يتعبده , ويطيع كل ما يراه . نرى هذا الفريق من الناس مصوراً تصويراً فذاً في هذه الآية ; وهو يعجب من أمره ويشهر بغفلته وعماه: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه , وأضله الله على علم , وختم على سمعه وقلبه , وجعل على بصره غشاوة ? فمن يهديه من بعد الله ? أفلا تذكرون ?). . ونرى هذا الفريق من الناس ينكر أمر الآخرة , ويشك كل الشك في قضية البعث والحساب , ويتعنت في الإنكار وفي طلب البرهان بما لا سبيل إليه في هذه الأرض . والقرآن يوجه هذا الفريق إلى الدلائل القائمة الحاضرة على صدق هذه القضية , وهم عنها معرضون: (وقالوا:ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا , وما يهلكنا إلا الدهر . وما لهم بذلك من علم , إن هم إلا يظنون . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا:ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين . قل:الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . ولكن أكثر الناس لا يعلمون). . ويجوز أن يكون هؤلاء جميعاً فريقاً واحداً من الناس يصدر منه هذا وذاك , ويصفه القرآن في السورة هنا وهناك . كما يجوز أن يكونوا فرقاً متعددة ممن واجهوا الدعوة في مكة . بما في ذلك بعض أهل الكتاب , وقليل منهم كان في مكة . ويجوز أن تكون هذه إشارة عن هذا الفريق ليعتبر بها أهل مكة دون أن يقتضي هذا وجوده في مكة بالذات في ذلك الحين . وعلى أية حال فقد واجه القرآن هؤلاء الناس بصفاتهم تلك وتصرفاتهم , وتحدث عنهم في هذه السورة ذلك الحديث . . كذلك واجههم بآيات الله في الآفاق وفي أنفسهم , وحذرهم حساب يوم القيامة , وبصرهم بما جرى لمن قبلهم ممن انحرفوا عن دين الله القويم . واجههم بآيات الله في هذا الأسلوب البسيط المؤثر العميق: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين . وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون . واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها , وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون . تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق , فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ?). . وواجههم بها مرة أخرى في صورة نعم من أنعم الله عليهم يغفلون عن تذكرها وتدبرها: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). . كذلك واجههم بحالهم يوم القيامة الذي ينكرونه أو يمارون فيه: ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون . وترى كل أمة جاثية . كل أمة تدعى إلى كتابها . اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته . ذلك هو الفوز المبين . وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين ? وإذا قيل:إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها . قلتم:ما ندري ما الساعة , إن نظن إلا ظناً , وما نحن بمستيقنين . وبدا لهم سيئات ما عملوا , وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . وقيل:اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا , ومأواكم النار , وما لكم من ناصرين:ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون . . كذلك لم يدع أي لبس أو شك في عدالة الجزاء وفردية التبعة ; فبين أن هذا الأصل عميق في تكوين الوجود كله , وعليه يقوم هذا الوجود . ذلك حين يقول: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها , ثم إلى ربكم ترجعون). . وحين يرد على من يحسبون وهم يجترحون السيئات أنهم عند الله كالمؤمنين الذين يعملون الصالحات , فيقول: (وخلق الله السماوات والأرض بالحق , ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون). . والسورة كلها وحدة في علاج موضوعها ; ولكننا قسمناها إلى درسين اثنين لتيسير عرضها وتفصيلها . وهي تبدأ بالأحرف المقطعة: حا . ميم . والإشارة إلى القرآن الكريم:(تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). . وتختم بحمد الله وربوبيته المطلقة , وتمجيده وتعظيمه , إزاء أولئك الذين يغفلون عن آياته ويستهزئون بها ويستكبرون عنها:(فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين . وله الكبرياء في السماوات والأرض , وهو العزيز الحكيم). . ويسير سياق السورة في عرض موضوعها في يسر وهوادة وإيضاح هادىء , وبيان دقيق عميق . على غير ما يسير سياق سورة الدخان قبلها في إيقاع عنيف كأنه مطارق تقرع القلوب . والله خالق القلوب , ومنزل هذا القرآن , يأخذ القلوب تارة بالقرع والطرق . وتارة باللمس الناعم الرفيق , وتارة بالبيان الهادى ء الرقيق . حسب تنوعها هي واختلافها . وحسب تنوع حالاتها ومواقفها في ذاتها . وهو اللطيف الخبير . وهو العزيز الحكيم . . والآن نأخذ في التفصيل الدرس الأول:1 - 5 إنزال القرآن والأدلة والآيات على الوحدانية (حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين . وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون . واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها , وتصريف الرياح , آيات لقوم يعقلون). . يذكر الحرفين: حا . ميم ويذكر بعدهما تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . وفيهما دلالة على مصدر الكتاب , كما أسلفنا الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور . من ناحية أن هذا الكتاب المعجز مصوغ من مثل هذه الأحرف , وهم لا يقدرون على شيء منه , فهذه دلالة قائمة على أن تنزيل هذا الكتاب من الله(العزيز)القادر الذي لا يعجزه شيء .(الحكيم)الذي يخلق كل شيء بقدر , ويمضي كل أمر بحكمة . وهو تعقيب يناسب جو السورة وما تتعرض له من ألوان النفوس . وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب ; يشير إلى آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم . وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلى الإيمان . ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها , وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب , وخالق هذا الكون العظيم: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين). . والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيء دون شيء , ولا حال دون حال . فحيثما مد الإنسان ببصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب . . وأي شيء ليس آية ? التالي
|