تفوق قوته وطاقته بما لا يقاس ! وكل ذلك من فضل الله عليه . وفي كل ذلك آيات لمن يفكر ويتدبر ; ويتبع بقلبه وعقله لمسات اليد الصانعة المدبرة المصرفة لهذه القوى والطاقات:(إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). .
والفكر لا يكون صحيحاً وعميقاً وشاملاً , إلا حين يتجاوز القوى والطاقات التي يكشف سرها , إلى مصدر هذه القوى والطاقات ; وإلى النواميس التي تحكمها ; وإلى الصلة بين هذه النواميس وفطرة الإنسان . هذه الصلة التي تيسر للإنسان الاتصال بها وإدراكها . ولولاها ما اتصل ولا أدرك . ولا عرف ولا تمكن , ولا سخر ولا انتفع بشيء من هذه القوى والطاقات . .
الدرس الرابع:14 - 15 دعوة المؤمنين للصفح عن الكافرين
وحين يبلغ سياق السورة إلى هذا المقطع القوي الذي يصل قلب المؤمن بقلب هذا الوجود . ويشعره بمصدر القوة الحقيقي وهو الاهتداء إلى أسرار هذا الوجود . . عند هذا يدعو المؤمنين إلى الترفع والاستعلاء وسعة الأفق ورحابة الصدر في مواجهة الضعاف العاجزين الذين لا تتصل قلوبهم بذلك المصدر الثري الغني . كما يدعوهم إلى شيء من العطف على هؤلاء المساكين المحجوبين عن الحقائق المنيرة القوية العظيمة ; من الذين لا يتطلعون إلى أيام الله , التي يظهر فيها عظمته وأسراره ونواميسه:
(قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله , ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون . من عمل صالحاً فلنفسه , ومن أساء فعليها , ثم إلى ربكم ترجعون). .
فهو توجيه كريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله . تسامح المغفرة والعفو . وتسامح القوة والاستعلاء . وتسامح الكبر والارتفاع . والواقع أن الذين لا يرجون أيام الله مساكين يستحقون العطف أحياناً بحرمانهم من ذلك النبع الفياض , الذي يزخر بالنداوة والرحمة والقوة والثراء . نبع الإيمان بالله , والطمأنينة إليه , والاحتماء بركنه , واللجوء إليه في ساعات الكربة والضيق . وحرمانهم كذلك من المعرفة الحقيقية المتصلة بصميم النواميس الكونية وما وراءها من القوى والثروات . والمؤمنون الذين يملكون كنز الإيمان وذخره , ويتمتعون برحمته وفيضه أولى بالمغفرة لما يبدو من أولئك المحرومين من نزوات وحماقات .
هذا من جانب . ومن الجانب الآخر , ليترك هؤلاء المؤمنون الأمر كله لله يتولى جزاء المحسن على إحسانه , والمسيء على إساءته . ويحسب لهم العفو والمغفرة عن المساءة في سجل الحسنات . ذلك فيما لا يظهر الفساد في الأرض , ويعتدي على حدود الله وحرماته بطبيعة الحال:
(ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون). .
ويعقب على هذا بفردية التبعة , وعدالة الجزاء , وتوكيد الرجوع إلى الله وحده في نهاية المطاف:
(من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها , ثم إلى ربكم ترجعون). .
بذلك يتسع صدر المؤمن , ويرتفع شعوره ; ويحتمل المساءات الفردية والنزوات الحمقاء من المحجوبين المطموسين , في غير ضعف , وفي غير ضيق . فهو أكبر وأفسح وأقوى . وهو حامل مشعل الهدى للمحرومين من النور , وحامل بلسم الشفاء للمحرومين من النبع , وهو مجزيّñ بعمله , لا يصيبه من وزر المسيء شيء . والأمر لله في النهاية , وإليه المرجع والمآب .