ويجوز أن يكون الحديث هنا عن أهل الكتاب , الذين انحرفوا عن كتابهم , واجترحوا السيئات , وظلوا يحسبون أنفسهم في صفوف المؤمنين , ويجعلون أنفسهم أكفاء للمسلمين الذين يعملون الصالحات , أنداداً لهم في تقدير الله سواء في الحياة أو بعد الممات . أي عند الحساب والجزاء . . كما يجوز أن يكون حديثاً عاماً بقصد بيان قيم العباد في ميزان الله . ورجحان كفة المؤمنين أصحاب العمل الصالح ; واستنكار التسوية بين مجترحي السيئات وفاعلي الحسنات , سواء في الحياة أو في الممات . ومخالفة هذا للقاعدة الثابتة الأصيلة في بناء الوجود كله . قاعدة الحق . الذي يتمثل في بناء الكون , كما يتمثل في شريعة الله . والذي يقوم به الكون كما تقوم به حياة الناس . والذي يتحقق في التفرقة بين المسيئين والمصلحين في جميع الأحوال ; وفي مجازاة كل نفس بما كسبت من هدى أو ضلال ; وفي تحقيق العدل للناس أجمعين: (وهم لا يظلمون). .
ومعنى أصالة الحق في بناء الكون , وارتباطه بشريعة الله للبشر , وحكمه عليهم يوم الحساب والجزاء , معنى يتكرر في القرآن الكريم , لأنه أصل من أصول هذه العقيدة , تجتمع عليه مسائلها المتفرقة , وترجع إليه في الأنفس والآفاق , وفي ناموس الكون وشريعة البشر . وهو أساس "فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان"
الدرس السابع:23 الكافر عابد هواه مطموس على حواسه
وإلى جوار هذا الأصل الثابت يشير إلى الهوى المتقلب . الهوى الذي يجعل منه بعضهم إلهاً يتعبده . فيضل ضلالاً لا اهتداء بعده , والعياذ بالله:
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه , وأضله الله على علم , وختم على سمعه وقلبه , وجعل على بصره غشاوة ? فمن يهديه من بعد الله ? أفلا تذكرون ?). .
والتعبير القرآني المبدع يرسم نموذجاً عجيباً للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت , وتتبع الهوى المتقلب وحين تتعبد هواها , وتخضع له , وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها . وتقيمه إلهاً قاهراً لها , مستولياً عليها , تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول . يرسم هذه الصورة ويعجّöب منها في استنكار شديد:
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ?). .
أفرأيته ? إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب ! وهو يستحق من الله أن يضله , فلا يتداركه برحمة الهدى . فما أبقى في قلبه مكاناً للهدى وهو يتعبد هواه المريض !
(وأضله الله على علم). .
على علم من الله باستحقاقه للضلالة . أو على علم منه بالحق , لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهاً يطاع . وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عماه:
(وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة). .
فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور ; وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى . وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم .
(فمن يهديه من بعد الله ?). .