|
في ظلال القرآن
الكريم
الجمعة من الاية 1 الى الاية 1 يُسَبّöحُ لöلَّهö مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الْأَرْضö الْمَلöكö الْقُدُّوسö الْعَزöيزö الْحَكöيمö (1)
سورة الجمعة تقديم لسورة الجمعة نزلت هذه السورة بعد سورة "الصف" السابقة . وهي تعالج الموضوع الذي عالجته سورة الصف , ولكن من جانب آخر , وبأسلوب آخر , وبمؤثرات جديدة . إنها تعالج أن تقر في أخلاد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة الإيمانية ; وأن هذا فضل من الله عليها ; وأن بعثة الرسول الأخير في الأميين - وهم العرب - منة كبرى تستحق الالتفات والشكر , وتقتضي كذلك تكاليف تنهض بها المجموعة التي استجابت للرسول , واحتملت الأمانة ; وأنها موصولة على الزمان غير مقطوعة ولا منبتة , فقد قدر الله أن تنمو هذه البذرة وتمتد . بعدما نكل بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة وانقطعت صلتهم بأمانة السماء ; وأصبحوا يحملون التوراة كالحمار يحمل أسفارا , ولا وظيفة له في إدراكها , ولا مشاركة له في أمرها ! تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين . من كان منهم في المدينة يومذاك على وجه الخصوص , وهم الذين ناط الله بهم تحقيق المنهج الإسلامي في صورة واقعة . ومن يأتي بعدهم ممن أشارت إليهم السورة , وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان . وفي الوقت ذاته تعالج السورة بعض الحالات الواقعة في تلك الجماعة الأولى ; في أثناء عملية البناء النفسي العسيرة المتطاولة الدقيقة . وتخلصها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغبة العاجلة في الربح , وموروثات البيئة والعرف . وبخاصة حب المال وأسبابه الملهية عن الأمانة الكبرى , والاستعداد النفسي لها . وتشير إلى حادث معين . حيث كان رسول الله [ ص ] يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية ; فما إن أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به - على عادة الجاهلية - من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة ! وتركوا رسول الله [ ص ] قائما . فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون ! كما تذكر الروايات , التي قد لا تكون دقيقة من حيث العدد , ولكنها ثابتة من حيث وقوع هذه الحركة من عدد من الحاضرين اقتضى التنبيه إليها في القرآن الكريم . وهي حادثة تكشف بذاتها عن مدى الجهد الذي بذل في تربية تلك الجماعة الأولى حتى انتهت إلى ما انتهت إليه ; وحتى صارت ذلك النموذج الفريد في تاريخ الإسلام وفي تاريخ البشرية جميعا . وتلهمنا الصبر على مشقة بناء النفوس في أي جيل من الأجيال , لتكوين الجماعة المسلمة التي تنهض بحمل أمانة هذه العقيدة , وتحاول تحقيقها في عالم الواقع كما حققتها الجماعة الأولى . وفي السورة مباهلة مع اليهود , بدعوتهم إلى تمني الموت للمبطلين من الفريقين وذلك ردا على دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس , وأنهم شعب الله المختار , وأن بعثة الرسول في غيرهم لا تكون ! كما كانوا يدعون ! مع جزم القرآن بأنهم لن يقبلوا هذه المباهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ببطلان دعواهم . وتعقب السورة على هذا بتقرير حقيقة الموت الذي يفرون منه , وأنه ملاقيهم مهما فروا , وأنهم مردودون إلى عالم الغيب والشهادة فمنبئهم بما كانوا يعملون . . وهو تقرير لا يخص اليهود وحدهم , إنما يلقيه القرآن ويدعه يفعل فعله في نفوس المؤمنين كذلك . فهذه الحقيقة لا بد أن تستقر في نفوس حملة أمانة الله في الأرض , لينهضوا بتكاليفها وهم يعرفون الطريق ! هذا هو اتجاه السورة , وهو قريب من اتجاه سورة الصف قبلها , مع تميز كل منهما بالجانب الذي تعالجه , وبالأسلوب الذي تأخذ القلوب به , والظلال التي تلقيها هذه وتلك في الإتجاه الواحد العام . فلننظر كيف يتناول الأسلوب القرآني هذا الاتجاه . . الدرس الأول:1 تسبيح ما في الوجود لله (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض , الملك القدوس العزيز الحكيم). .
التالي
|