الَرَ تöلْكَ آيَاتُ الْكöتَابö وَقُرْآنٍ مُّبöينٍ (1) رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذöينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلöمöينَ (2)
الحجر
التعريف بسورة الحجر
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه السورة مكية بجملتها , نزلت بعد سورة يوسف , في الفترة الحرجة , ما بين "عام الحزن" وعام الهجرة . . تلك الفترة التي تحدثنا عن طبيعتها وملابساتها ومعالمها من قبل في تقديم سورة يونس وفي تقديم سورة هود وفي تقديم سورة يوسف بما فيه الكفاية . .
وهذه السورة عليها طابع هذه الفترة , وحاجاتها ومقتضياتها الحركية . . إنها تواجه واقع تلك الفترة مواجهة حركية ; وتوجه الرسول [ ص ] والجماعة المسلمة معه , توجيها واقعيا مباشرا وتجاهد المكذبين جهادا كبيرا . كما هي طبيعة هذا القرآن ووظيفته .
ولما كانت حركة الدعوة في تلك الفترة تكاد تكون قد تجمدت , بسبب موقف قريش العنيد منها ومن النبي [ ص ] والعصبة المؤمنة معه ; حيث اجترأت قريش على رسول الله [ ص ] بما لم تكن تجترئ عليه في حياة أبي طالب . واشتد استهزاؤها بدعوته ; كما اشتد إيذاؤها لصحابته . . فقد جاء القرآن الكريم في هذه الفترة يهدد المشركين المكذبين ويتوعدهم ; ويعرض عليهم مصارع المكذبين الغابرين ومصائرهم ; ويكشف للرسول [ ص ] عن علة تكذيبهم وعنادهم ; وهي لا تتعلق به ولا بالحق الذي معه , لكنها ترجع إلى العناد الذي لا تجدي معه الآيات البينات . ومن ثم يسلي الرسول [ ص ] ويواسيه ; ويوجهه إلى الإصرار على الحق الذي معه ; والصدع به بقوة في مواجهة الشرك وأهله ; والصبر بعد ذلك على بطء الاستجابة ووحشة العزلة , وطول الطريق !
ومن هنا تلتقي هذه السورة في وجهتها وفي موضوعها وفي ملامحها مع بقية السور التي نزلت في تلك الفترة ; وتواجه مثلها مقتضيات تلك الفترة وحاجاتها الحركية . أي الحاجات والمقتضيات الناشئة من حركة الجماعة المسلمة بعقيدتها الإسلامية في مواجهة الجاهلية العربية في تلك الفترة من الزمان بكل ملابساتها الواقعية . ومن ثم تواجه حاجات الحركة الإسلامية ومقتضياتها كلما تكررت هذه الفترة , وذلك كالذي تواجهه الحركة الإسلامية الآن في هذا الزمان .
ونحن نؤكد على هذه السمة في هذا القرآن . . سمة الواقعية الحركية . . لأنها في نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب وفهمه وفقهه وإدراك مراميه وأهدافه . .
إنه لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبت
نزول النص القرآني . . لا بد من هذا لإدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته ; ولرؤية حيويته وهو يعمل في وسط حي ; ويواجه حالة واقعة ; كما يواجه أحياء يتحركون معه أو ضده . وهذه الرؤية ضرورية لفقه أحكامه وتذوقها ; كما هي ضرورية للانتفاع بتوجيهاته كلما تكررت تلك الظروف والملابسات في فترة تاريخية تالية , وعلى الأخص فيما يواجهنا اليوم ونحن نستأنف الدعوة الإسلامية . نقول هذه المقالة ونحن على يقين أنه لن يرى هذه الرؤية اليوم إلا الذين يتحركون فعلا بهذا الدين في مواجهة الجاهلية الحاضرة ; ومن ثم يواجهون أحوالا وملابسات وظروفا وأحداثا كالتي كان يواجهها صاحب الدعوة الأولى - صلوات الله وسلامه عليه - والعصبة المسلمة معه . . من الإعراض والتولي عن هذا الدين في حقيقته الكبيرة الشاملة ; التي لا تتحقق إلا بالدينونة الكاملة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة الاعتقادية والأخلاقية والتعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية . . وما يلقونه كذلك من الإيذاء والمطاردة والتعذيب والتقتيل كالذي كانت تلك العصبة المختارة الأولى تبتلى - في سبيل الله - به . .
إن هؤلاء الذين يتحركون بهذا الدين في مواجهة الجاهلية ; ويواجهون به ما كانت تواجهه الجماعة المسلمة الأولى . . هم وحدهم الذين يرون تلك الرؤية . . وهم وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن ; ويدركون الأبعاد الحقيقية لمدلولات نصوصه . على النحو الذي أسلفنا . . وهم وحدهم الذين يملكون استنباط فقه الحركة الذي لا يغني عنه فقه الأوراق , في مواجهة الحياة المتحركة التي لا تكف عن الحركة !
وبمناسبة هذه الإشارة إلى فقه الحركة نحب أن نقرر أن الفقه المطلوب استنباطه في هذه الفترة الحاضرة هو الفقه اللازم لحركة ناشئة في مواجهة الجاهلية الشاملة . حركة تهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور , ومن الجاهلية إلى الإسلام ; ومن الدينونة للعباد إلى الدينونة لرب العباد ; كما كانت الحركة الأولى - على عهد محمد [ ص ] - تواجه جاهلية العرب بمثل هذه المحاولة ; قبل أن تقوم الدولة في المدينة ; وقبل أن يكون للإسلام سلطان على أرض وعلى أمة من الناس .
نحن اليوم في شبه هذا الموقف لا في مثله , وذلك لاختلاف بعض الظروف والملابسات الخارجية . . نحن نستهدف دعوة إلى الإسلام ناشئة في مواجهة جاهلية شاملة . . ولكن مع اختلاف في الملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية للحركة . . وهذا الاختلاف هو الذي يقتضي "اجتهادا" جديدا في "فقه الحركة " يوائم بين السوابق التاريخية للحركة الإسلامية الأولى وبين طبيعة الفترة الحاضرة ومقتضياتها المتغيرة قليلا أو كثيرا . .
هذا النوع من الفقه هو الذي تحتاج إليه الحركة الإسلامية الوليدة . . أما الفقه الخاص بأنظمة الدولة , وشرائع المجتمع المنظم المستقر , فهذا ليس أوانه . . . إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم , قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي ! . . هذا النوع من الفقه يأتي في حينه ; وتفصل أحكامه على قد المجتمع المسلم حين يوجد ; ويواجه الظروف الواقعية التي تكون محيطة بذلك المجتمع يومذاك !
إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ ولا تستنبت بذوره في الهواء !
ونعود إلى استكمال الحديث عن موضوعات السورة:
محور هذه السورة الأول:هو إبراز طبيعة المكذبين بهذا الدين ودوافعهم الأصيلة للتكذيب , وتصوير المصير المخوف الذي ينتظر الكافرين المكذبين . . وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات , متنوعة
الموضوع والمجال , ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل . سواء في ذلك القصة , ومشاهد الكون , ومشاهد القيامة , والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه . وإذا كان جو سورة الرعد يذكر بجو سورة الأنعام . فإن جو هذه السورة - الحجر - يذكر بجو سورة الأعراف . - وابتداؤها كان بالإنذار , وسياقها كله جاء مصداقا للإنذار - فهنا كذلك في سورة الحجر يتشابه البدء والسياق , مع اختلاف في الطعم والمذاق !
إن الإنذار في مطلع سورة الأعراف صريح:
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه , لتنذر به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء , قليلا ما تذكرون . وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا الا أن قالوا:إنا كنا ظالمين . .
ثم ترد فيها قصة آدم وابليس ويتابعها السياق حتى تنتهي الحياة الدنيا , ويعود الجميع إلى ربهم , فيجدوا مصداق النذير . . ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون:السماوات والأرض , والليل والنهار , والشمس والقمر , والنجوم مسخرات بأمره , والرياح والسحاب والماء والثمرات . . ويلي ذلك قصص قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى:وكلها تصدق النذير . .
وهنا في سورة الحجر يجيء الإنذار كذلك في مطلعها , ولكن ملفعا بظل من التهويل والغموض يزيد جوها رهبة وتوقعا للمصير:
(ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون . وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون). .
ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون:السماء وما فيها من بروج , والأرض الممدودة والرواسي الراسخة , والنبت الموزون , والرياح اللواقح , والماء والسقيا , والحياة والموت والحشر للجميع . . يلي ذلك قصة آدم وإبليس , منتهية بمصير أتباعه ومصير المؤمنين . . ومن ثم لمحات من قصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح منظورا فيها إلى مصائر المكذبين , وملحوظا فيها أن مشركي العرب يعرفون الآثار الدارسة لهذه الأقوام , وهم يمرون عليها في طريقهم إلى الشام .
فالمحور في السورتين واحد , ولكن شخصية كل منهما متميزة ; وإيقاعهما يتشابه ولا يتماثل , على عادة القرآن الكريم في تناوله لموضوعاته الموحدة , بطرق شتى , تختلف وتتشابه , ولكنها لا تتكرر أبدا ولا تتماثل !
ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى خمس جولات , أو خمسة مقاطع , يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا:
تتضمن الجولة الأولى بيان سنة الله التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب . مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفع بالتهويل:
(ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون). .
ومنتهية بأن المكذبين إنما يكذبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان:
(ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا:إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون !). . وأنهم جميعا من طراز واحد:
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . كذلك نسلكه في قلوب المجرمين . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين . .
وتعرض الجولة الثانية بعض آيات الله في الكون:في السماء وفي الأرض وما بينهما . وقد قدرت بحكمة , وأنزلت بقدر:
(ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون . وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين . وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . وأرسلنا الرياح لواقح , فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين). .
وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم:(وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون . ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين . وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم). .
أما الجولة الثالثة فتعرض قصة البشرية وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصيلة , ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين . وذلك في خلق آدم من صلصال من حمأ مسنون والنفخ من روح الله في هذا الطين . ثم في غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاوين دون المخلصين .
والجولة الرابعة في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح , مبدوءة بقول الله: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم ثم يتتابع القصص , يجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط , وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح . . ملحوظا في هذا القصص أنه يعرض على قريش مصارع أقوام يمرون على أرضهم في طريقهم إلى الشام ويرون آثارهم:
(إن في ذلك لآيات للمتوسمين . وإنها لبسبيل مقيم). .
أما الجولة الخامسة والأخيرة فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض المتلبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب , المتصل بدعوة الرسول [ ص ] فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله , وللبدء والمصير:(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق , وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل . إن ربك هو الخلاق العليم . ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم . .)إلى آخر السورة . .
بسم الله الرحمن
الوحدة الأولى:1 - 15 الموضوع:سنة الله في الرسل والرسالات وهلاك المكذبين الدرس الأول:1 - 5 طبيعة القرآن وسنة الله في المكذبين
هذا المقطع الأول في سياق السورة , يتحدث عن طبيعة الكتاب الذي يكذب به المشركون . . ويهددهم بيوم يتمنون فيه لو كانوا مسلمين ! كما يكشف لهم عن سبب إرجاء هذا اليوم عنهم , فهو موقوت بأجل معلوم . . ويذكر تحدياتهم واستهزاءهم وطلبهم الملائكة , ثم يهددهم بأن نزول الملائكة يكون معه الهلاك والتدمير ! وأخيرا يكشف عن العلة الحقيقية للتكذيب . . إنها ليست نقص الدليل ولكنه العناد الأصيل ! . .
ألف . لام . را . . تلك آيات الكتاب وقرآن مبين). .
هذه الأحرف ونظائرها هي الكتاب وهي القرآن . هذه الأحرف التي في متناول الجميع , هي(تلك)الآيات العالية الأفق البعيدة المتناول , المعجزة التنسيق . هذه الأحرف التي لا مدلول لها في ذاتها هي القرآن الواضح الكاشف المبين .
فإذا كان قوم يكفرون بآيات الكتاب المعجز ويكذبون بهذا القرآن المبين فسيأتي يوم يودون فيه لو كانوا غير ما كانوا ; ويتمنون فيه لو آمنوا واستقاموا:
(ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين). .