ذات ثقل , وإن كان معناها أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير . . ويشترك في ظل التضخيم جمع(معايش)وتنكيرها , وكذلك (ومن لستم له برازقين)من كل ما في الأرض من أحياء على وجه الإجمال والإبهام . فكلها تخلع ظل الضخامة الذي يجلل المشهد المرسوم . والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس . فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو ; وهذه الرواسي الملقاة على الأرض , تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ; ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض . وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها . وهي كثيرة شتى , يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الضخامة كما أسلفنا . جعلنا لكم فيها معايش , وجعلنا لكم كذلك (من لستم له برازقين). فهم يعيشون على أرزاق الله التي جعلها لهم في الأرض . وما أنتم إلا أمة من هذه الأمم التي لا تحصى . أمة لا ترزق سواها إنما الله يرزقها ويرزق سواها , ثم يتفضل عليها فيجعل لمنفعتها ومتاعها وخدمتها أمما أخرى تعيش من رزق الله , ولا تكلفها شيئا .
هذه الأرزاق - ككل شيء - مقدرة في علم الله , تابعة لأمره ومشيئته , يصرفها حيث يشاء وكما يريد , في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها , وأجراها في الناس والأرزاق:
(وإن من شيء إلا عندنا خزائنه , وما ننزله إلا بقدر معلوم). .
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا , إنما خزائن كل شيء - مصادره وموارده - عند الله . في علاه . ينزله على الخلق في عوالمهم (بقدر معلوم)فليس من شيء ينزل جزافا , وليس من شيء يتم اعتباطا .
ومدلول هذا النص المحكم:(وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم)يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة , وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه . ومدلول(خزائنه)يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي ; وطبيعة تركيبها وتحليلها - إلى حد ما - وعرف مثلا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين ! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء ! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون ! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضا ! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها . . وهو شيء على كثرته قليل قليل . . .
ومما يرسله الله بقدر معلوم الرياح والماء:
(وأرسلنا الرياح لواقح , فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه . وما أنتم له بخازنين). .
أرسلنا الرياح لواقح بالماء , كما تلقح الناقة بالنتاج ; فأنزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح , فأسقيناكموه فعشتم به:
(وما أنتم له بخازنين). .