(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة). . ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره:(وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال:أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا:سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال:يا آدم أنبئهم بأسمائهم , فلما أنبأهم بأسمائهم قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ?). . ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره . وسكنى آدم وزوجه الجنة . وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها . ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها , بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية , واستغفارهما وتوبة الله عليهما . . . وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم , فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض , وعهده معه , والتجربة القاسية لأبي البشر . .
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ; وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها . حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي . ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه . وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود . . ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره . وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث , ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد . ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة , هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة . ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل , وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما , وعتاب الله لآدم وزوجه , وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى:(قال:اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين , قال:فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). . ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى . وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار . ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار:(ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . قالوا:إن الله حرمهما على الكافرين). . وأسدل الستار . .
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم , وسر الهدى والضلال , وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان . . ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون , ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ; وخلق الشيطان من قبل من نار السموم . ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون . وطرده ولعنته . وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته . وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين . إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله . وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل . تبعا لنقطة التركيز في السياق , وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان , وبيان مجال سلطة الشيطان . .
فلنمض إلى مشاهد القصة في هذا المجال:
(ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون . والجان خلقناه من قبل من نار السموم). .
وفي هذا الافتتاح يقرر اختلاف الطبيعتين بين الصلصال - وهو الطين اليابس الذي يصلصل عند نقره , المتخذ من الطين الرطب الآسن - والنار الموسومة بأنها شعواء سامة . . نار السموم . . وفيما بعد سنعلم أن طبيعة الإنسان قد دخل فيها عنصر جديد هو النفخة من روح الله , أما طبيعة الشيطان فبقيت من نار السموم .