من طمأنينة وراحة ورضى , فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها . والمؤمن يعبد ربه شكرا له على هدايته إليه , وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به . فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة . استحقاقا على الإيمان أو العبادة !
والمؤمن لا يجرب إلهه . فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له , مستسلم ابتداء لكل ما يجربه عليه راض ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء . وليست هي صفقة في السوق بين بائع وشار , إنما هي إسلام المخلوق للخالق , صاحب الأمر فيه , ومصدر وجوده من الأساس .
والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لا شبهة فيها ولا ريب: (ذلك هو الخسران المبين). . يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى . إلى جوار خسارة المال أو الولد , أو الصحة , او أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده , ويبتلي بها ثقتهم فيه , وصبرهم على بلائه , وإخلاصهم أنفسهم له , واستعدادهم لقبول قضائه وقدره . . ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان . فيا له من خسران !
وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف ? إلى أين يتجه بعيدا عن الله ? إنه (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه). . يدعو صنما أو وثنا على طريقة الجاهلية الأولى . ويدعو شخصا أو جهة أو مصلحة على طريقة الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان , كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده , والسير على صراطه ونهجه . . فما هذا كله ? إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء: (ذلك هو الضلال البعيد)المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء . . (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه)من وثن أو شيطان , أو سند من بني الإنسان . . وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا ; وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر . وضره أقرب من نفعه . ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب , وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل . وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران (لبئس المولى)ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع (ولبئس العشير)ذلك الذي ينشأ عنه الخسران . يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان , والمولى والعشير من بني الإنسان , ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان !
والله يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله , حتى لو خسروا ذلك العرض كله في الفتنة والابتلاء:
(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار . إن الله يفعل ما يريد). .
فمن مسه الضر في فتنة من الفتن , وفي ابتلاء من الابتلاءات , فليثبت ولا يتزعزع , وليستبق ثقته برحمة الله وعونه , وقدرته على كشف الضراء , وعلى العوض والجزاء .
فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ; ويقنط من عون الله له في المحنة حين تشتد المحنة . فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء ; وليذهب بنفسه كل مذهب , فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء:
(من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة , فليمدد بسبب إلى السماء , ثم ليقطع , فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ)!
وهو مشهد متحرك لغيظ النفس , وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ , يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه , عندما ينزل بها الضر وهي على غير اتصال بالله .
والذي ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة , وكل نسمة رخية , وكل رجاء في الفرج ,