هذا الكبر الضال المضل لا بد أن يقمع , ولا بد أن يحطم: (له في الدنيا خزي)فالخزي هو المقابل للكبر . والله لا يدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين . إنما يمهلهم أحيانا ليكون الخزي أعظم , والتحقير أوقع . أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع: (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق).
وفي لحظة ينقلب ذلك الوعيد المنظور إلى واقع مشهود , بلفتة صغيرة في السياق , من الحكاية إلى الخطاب:
ذلك بما قدمت يداك , وأن الله ليس بظلام للعبيد . .
وكأنما هو اللحظة يلقى التقريع والتبكيت , مع العذاب والحريق .
الدرس الرابع:11 - 15 المصير البائس لمن يعبد الله على حرف وثواب العابدين الصادقين
ويمضي السياق إلى نموذج آخر من الناس - إن كان يواجه الدعوة يومذاك فهو نموذج مكرور في كل جيل - ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة ; ويظنها صفقة في سوق التجارة:
(ومن الناس من يعبد الله على حرف , فإن أصابه خير اطمأن به , وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة . ذلك هو الخسران المبين . يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه . ذلك هو الضلال البعيد . يدعو لمن ضره أقرب من نفعه . لبئس المولى ولبئس العشير). .
إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن , تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة ونتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع ; وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول .
هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن . ومن ثم يجب أن يستوي عليها , متمكنا منها , واثقا بها , لا يتلجلج فيها , ولا ينتظر عليها جزاء , فهي في ذاتها جزاء . ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه , والسند الذي يستند عليه . أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور , وطلبه للهدى . ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها , ويطمئن بها . هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله , تتجاذبهم الرياح , وتتقاذفهم الزوابع , ويستبد بهم القلق . بينما هو بعقيدته مطمئن القلب , ثابت القدم , هادى ء البال , موصول بالله , مطمئن بهذا الاتصال .
أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة: (فإن أصابه خير اطمأن به)وقال:إن الإيمان خير . فها هو ذا يجلب النفع , ويدر الضرع , وينمي الزرع , ويربح التجارة , ويكفل الرواج (وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة). . خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه , ولم يتماسك له , ولم يرجع إلى الله فيه . وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه , وانكفائه عن عقيدته , وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسرا له .
والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله (على حرف)غير متمكن من العقيدة , ولا متثبت في العبادة . يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى . ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة , ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب !
إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة , ولكنه لا يصلح للعقيدة . فالعقيدة حق يعتنق لذاته , بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لا يملك إلا أن ينفعل بما يتلقى . والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها , بما فيها