|
في ظلال القرآن
الكريم
الدخان من الاية 10 الى الاية 11 فَارْتَقöبْ يَوْمَ تَأْتöي السَّمَاء بöدُخَانٍ مُّبöينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابñ أَلöيمñ (11)
اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون . أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين . ثم تولوا عنه وقالوا:معلم مجنون . إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون . يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون). . يقول:إنهم يلعبون إزاء ذلك الجد , ويشكون في تلك الآيات الثابتة . فدعهم إلى يوم هائل عصيب: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين . يغشى الناس . هذا عذاب أليم). . وقد اختلف السلف في تفسير آية الدخان . فقال بعضهم . إنه دخان يوم القيامة , وإن التهديد بارتقابه كالتهديد المتكرر في القرآن . وإنه آت يترقبونه ويترقبه رسول الله [ ص ] . وقال بعضهم:بل هو قد وقع فعلاً , كما توعدهم به . ثم كشف عن المشركين بدعاء الرسول [ ص ] فنذكر هنا ملخص القولين وأسانيدهما . ثم نعقب بما فتح الله به , ونحسبه صواباً إن شاء الله . قال سليمان بن مهران الأعمش , عن أبي الضحى مسلم بن صبيح , عن مسروق . قال:دخلنا المسجد - يعني مسجد الكوفة - عند أبواب كندة . فإذا رجل يقص على أصحابه: (يوم تأتي السماء بدخان مبين). . تدرون ماذا الدخان ? ذلك دخان يأتي يوم القيامة , فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم , ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام . قال:فأتينا ابن مسعود - رضي الله عنه - فذكرنا ذلك له , وكان مضطجعاً ففزع فقعد , وقال:إن الله عز وجل قال لنبيكم [ ص ]:(قل:ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم:الله أعلم . أحدثكم عن ذلك . إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام , واستعصت على رسول الله [ ص ] دعا عليهم بسنين كسني يوسف . فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة ; وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان - وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد - قال الله تعالى:(فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم). . فأتي رسول الله [ ص ] فقيل له:يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت . فاستسقى [ ص ] لهم فسقوا . فنزلت . (إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون). . قال ابن مسعود رضي الله عنه:أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة ? . . فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم , فأنزل الله عز وجل:(يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون). . قال:يعني يوم بدر . قال ابن مسعود - رضي الله عنه - فقد مضى خمسة:الدخان , والروم والقمر , والبطشة , واللزام " . . [ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين . ورواه الإمام أحمد في مسنده . وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما . وعند ابن جرير , وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به ] . وقد وافق ابن مسعود - رضي الله عنه - على تفسير الآية بهذا , وأن الدخان مضى , جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي . وهو اختيار ابن جرير . وقال آخرون:لم يمض الدخان بعد , بل هو من أمارات الساعة , كما ورد في حديث أبي سريحة حذيفة ابن أسيد الغفاري - رضي الله عنه - قال:أشرف علينا رسول الله [ ص ] من عرفة ونحن نتذاكر الساعة , فقال [ ص ]:" لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات " طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر - الناس - تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" . . [ تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه ] . وقال ابن جرير:حدثني محمد بن عوف , حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي , حدثني ضمضم بن زرعة , عن شريح بن عبيد , عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة , ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه , والثانية الدابة , والثالثة الدجال " . [ ورواه الطبراني عن هاشم بن زيد , عن محمد بن إسماعيل بن عياش بهذا النص ; وقال ابن كثير في التفسير:وهذا إسناد جيد ] . وقال ابن جرير كذلك:حدثني يعقوب , حدثنا ابن علية , عن ابن جريج , عن عبدالله بن أبي مليكة . قال:غدوت على ابن عباس - رضي الله عنهما - ذات يوم , فقال:ما نمت الليلة حتى أصبحت . قلت:لم ? قال:قالوا طلع الكوكب ذو الذنب , فخشيت أن يكون الدخان قد طرق , فما نمت حتى أصبحت . . وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه , عن ابن عمر , عن سفيان , عن عبدالله بن أبي يزيد , عن عبدالله ابن أبي مليكة , عن ابن عباس - رضي الله عنهما فذكره . قال ابن كثير في التفسير:" وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - حبر الأمة وترجمان القرآن . وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها , مما فيه مقتنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة , مع أنه ظاهر القرآن . قال الله تبارك وتعالى:(فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين). . أي بيّن واضح يراه كل أحد . وعلى ما فسر به ابن مسعود - رضي الله عنه - إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد . وهكذا قوله تعالى: (يغشى الناس). . أي يتغشاهم ويعميهم . ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: (يغشى الناس). . وقوله تعالى: (هذا عذاب أليم). . أي يقال لهم ذلك , تقريعاً وتوبيخاً . كقوله تعالى:(يوم يدعون إلى نار جهنم دعا . هذه النار التي كنتم بها تكذبون). أو يقول بعضهم لبعض ذلك . وقوله - سبحانه وتعالى -:(ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون). . أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم , كقوله جلت عظمته:(ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين). . وكذا قوله جل وعلا:(وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا:ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ?). . وهكذا قال جل وعلا ها هنا:(أنى لهم الذكرى , وقد جاءهم رسول مبين , ثم تولوا عنه وقالوا:معلم مجنون). . يقول:كيف لهم التذكر وقد أرسلنا إليهم رسولاً بين الرسالة والنذارة , ومع هذا تولوا عنه , وما وافقوه بل كذبوه , وقالوا:معلم مجنون . وهذا كقوله جلت عظمته: (يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى). . الآية . وقوله عز وجل:(ولو ترى إذ فزعوا , فلا فوت , وأخذوا من مكان قريب . وقالوا:آمنا به . وأنى لهم التناوش من مكان بعيد ?)إلى آخر السورة . . وقوله تعالى:(إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون). . يحتمل معنيين:أحدهما:أنه يقول تعالى:ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب . كقوله تعالى:(ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون). . وكقوله جلت عظمته: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). . والثاني:أن يكون المراد:إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلاً بعد انعقاد أسبابه , ووصوله إليكم , وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال . ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم . كقوله تعالى: (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين). . ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم , بل كان قد انعقد سببه عليهم . . . وقال قتادة:إنكم عائدون إلى عذاب الله . . وقوله عز وجل:(يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون). . فسر ذلك ابن مسعود - رضي الله عنه - بيوم بدر . وهذا قول جماعة ممن السابق - التالي
|