(ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون). .
وابتليناهم بالنعمة والسلطان , والتمكين في الأرض , والإملاء في الرخاء , واسباب الثراء والاستعلاء .
(وجاءهم رسول كريم). .
وكان هذا طرفاً من الابتلاء , ينكشف به نوع استجابتهم للرسول الكريم , الذي لا يطلب منهم شيئاً لنفسه ; إنما يدعوهم إلى الله , ويطلب إليهم أن يؤدوا كل شيء لله , وألا يستبقوا شيئاً لا يؤدونه من ذوات أنفسهم يضنون به على الله:
أن أدوا إليَّ عباد الله إني لكم رسول أمين . وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين . وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون . وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون . .
إنها كلمات قصيرة تلك التي جاءهم بها رسولهم الكريم - موسى عليه السلام:
إنه يطلب إليهم الاستجابة الكلية . والأداء الكامل . والاستسلام المطلق . الاستسلام المطلق لله . الذي هم عباده . وما ينبغي للعباد أن يعلوا على الله . فهي دعوة الله يحملها إليهم الرسول , ومعه البرهان على أنه رسول الله إليهم . البرهان القوي والسلطان المبين , الذي تذعن له القلوب . وهو يتحصن بربه ويعوذ به أن يسطوا عليه وأن يرجموه . فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم ويعتزلهم ويطلب إليهم أن يفاصلوه ويعتزلوه . وذلك منتهى النصفة والعدل والمسالمة .
ولكن الطغيان قلما يقبل النصفة , فهو يخشى الحق أن يظل طليقاً , يحاول أن يصل إلى الناس في سلام وهدوء . ومن ثم يحارب الحق بالبطش . ولا يسالمه أبداً . فمعنى المسالمة أن يزحف الحق ويستولي في كل يوم على النفوس والقلوب . ومن ثم يبطش الباطل ويرجم ولا يعتزل الحق ولا يدعه يسلم أو يستريح !
ويختصر السياق هنا حلقات كثيرة من القصة , ليصل إلى قرب النهاية . حين وصلت التجربة إلى نهايتها ; وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له ولن يستجيبوا لدعوته ; ولن يسالموه أو يعتزلوه . وبدا له إجرامهم أصيلاً عميقاً لا أمل في تخليهم عنه . عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه الأخير:
(فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون). .
وماذا يملك الرسول إلا أن يعود إلى ربه بالحصيلة التي جنتها يداه ? وإلا أن ينفض أمره بين يديه , ويدع له التصرف بما يريد ?
وتلقى موسى الإجابة إقراراً من ربه لما دمغ به القوم . . حقاً إنهم مجرمون . .
(فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون . واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون). .
والسرى لا يكون إلا ليلاً , فالنص عليه يعيد تصوير المشهد , مشهد السرى بعباد الله - وهم بنو إسرائيل . ثم للإيحاء بجو الخفية , لأن سراهم كان خفية عن عيون فرعون ومن وراء علمه . والرهو:الساكن . وقد أمر الله موسى - عليه السلام - أن يمر هو وقومه وأن يدع البحر وراءه ساكناً على هيئته التي مر هو وقومه فيها , لإغراء فرعون وجنده باتباعهم , ليتم قدر الله بهم كما أراده: (إنهم جند مغرقون). . فهكذا ينفذ قدر الله من خلال الأسباب الظاهرة . والأسباب ذاتها طرف من هذا القدر المحتوم .