ويختصر السياق حكاية مشهد الغرق أو عرضه , اكتفاء بالكلمة النافذة التي لا بد أن تكون: (إنهم جند مغرقون). . ويمضي من هذا المشهد المضمر إلى التعقيب عليه ; تعقيباً يشي بهوان فرعون الطاغية المتعالي وملئه الممالىء له على الظلم والطغيان . هوانه وهوانهم على الله , وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه , فيطأطىء له الملأ المفتونون به ; وهو أضأل وأزهد من أن يحس به الوجود , وهو يسلب النعمة فلا يمنعها من الزوال , ولا يرثي له أحد على سوء المآل:
(كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين . كذلك وأورثناها قوماً آخرين . فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين). .
ويبدأ المشهد بصور النعيم الذي كانوا فيه يرفلون . . جنات . وعيون . وزروع . ومكان مرموق , ينالون فيه الاحترام والتكريم . ونعمة يلتذونها ويطعمونها ويعيشون فيها مسرورين محبورين .
ثم ينزع هذا كله منهم أو ينزعون منه . ويرثه قوم آخرون - وفي موضع آخر قال:(كذلك وأورثناها بني إسرائيل)- وبنو إسرائيل لم يرثوا ملك فرعون بالذات . ولكنهم ورثوا ملكاً مثله في الأرض الأخرى . فالمقصود إذن هو نوع الملك والنعمة . الذي زال عن فرعون وملئه , وورثه بنو إسرائيل !
ثم ماذا ? ثم ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملء الأعين والنفوس في هذه الأرض:ذهبوا فلم يأس على ذهابهم أحد , ولم تشعر بهم سماء ولا أرض ; ولم ينظروا أو يؤجلوا عند ما حل الميعاد:
(فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين). .
وهو تعبير يلقي ظلال الهوان , كما يلقي ظلال الجفاء . . فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء . ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء . وذهبوا ذهاب النمال , وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال ! وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه , وهو مؤمن بربه , وهم به كافرون ! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه !
ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على الله وعلى هذا الوجود كله . ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه , مقطوعين عنه , لا تربطهم به آصرة , وقد قطعت آصرة الإيمان .
وفي الصفحة المقابلة مشهد النجاة والتكريم والاختيار:
(ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين . ولقد اخترناهم على علم على العالمين . وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين). .
ويذكر هنا نجاة بني إسرائيل من العذاب المهين في مقابل الهوان الذي انتهى إليه المتجبرون المتعالون المسرفون في التجبر والتعالي:"من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين" . .
ثم يذكر اختيار الله لبني إسرائيل - على علم - بحقيقتهم كلها , خيرها وشرها . اختيارهم على العالمين في زمانهم بطبيعة الحال , لما يعلمه الله من أنهم أفضل أهل زمانهم وأحقهم بالاختيار والاستخلاف ; على كل ما قصه عنهم بعد ذلك من تلكؤ ومن انحراف والتواء . مما يشير إلى أن اختيار الله ونصره قد يكون لأفضل أهل زمانهم ; ولو لم يكونوا قد بلغوا مستوى الإيمان العالي ; إذا كانت فيهم قيادة تتجه بهم إلى الله على هدى وعلى بصيرة واستقامة .