(وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين). .
فتعرضوا للاختبار بهذه الآيات , التي آتاهم الله إياها للابتلاء . حتى إذا تم امتحانهم , وانقضت فترة استخلافهم , أخذهم الله بانحرافهم والتوائهم , وبنتيجة اختبارهم وابتلائهم , فضربهم بمن يشردهم في الأرض , وكتب عليهم الذلة والمسكنة , وتوعدهم أن يعودوا إلى النكال والتشريد كلما بغوا في الأرض إلى يوم الدين . .
الدرس الرابع:34 - 42 نقاش الكفار وإبطال شبهاتهم وتهديدهم
وبعد هذه الجولة في مصرع فرعون وملئه , ونجاة موسى وقومه , وابتلائهم بالآيات بعد فتنة فرعون وأخذه . . بعد هذه الجولة يعود إلى موقف المشركين من قضية البعث والنشور , وشكهم فيها , وإنكارهم لها . يعود ليربط بين قضية البعث وتصميم الوجود كله وبنائه على الحق والجد , الذي يقتضي هذا البعث والنشور:
(إن هؤلاء ليقولون:إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين . فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين . أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين . وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون . إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين . يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون . إلا من رحم الله , إنه هو العزيز الرحيم). .
إن هؤلاء المشركين من العرب ليقولون:ما هي إلا الموتة التي نموتها , ثم لا حياة بعدها ولا نشور . ويسمونها(الأولى)بمعنى السابقة المتقدمة على الموعد الذي يوعدونه للبعث والنشور . ويستدلون على أنه ليس هناك إلا هذه الموتة وينتهي الأمر . يستدلون بأن آباءهم الذين ماتوا هذه الموتة ومضوا لم يعد منهم أحد , ولم ينشر منهم أحد ; ويطلبون الإتيان بهم إن كان النشور حقاً وصدقاً .
وهم في هذا الطلب يغفلون عن حكمة البعث والنشور ; ولا يدركون أنها حلقة من حلقات النشأة البشرية , ذات حكمة خاصة وهدف معين , للجزاء على ما كان في الحلقة الأولى . والوصول بالطائعين إلى النهاية الكريمة التي تؤهلهم لها خطواتهم المستقيمة في رحلة الحياة الدنيا ; والوصول بالعصاة إلى النهاية الحقيرة التي تؤهلهم لها خطواتهم المنتكسة المرتكسة في الحمأة المستقذرة . . وتلك الحكمة تقتضي مجيء البعث والنشور بعد انقضاء مرحلة الأرض كلها ; وتمنع أن يكون البعث لعبة تتم حسب رغبة أو نزوة بشرية لفرد أو لجماعة محدودة من البشر كي يصدقوا بالبعث والنشور ! وهم لا يكمل إيمانهم إلا أن يشهدوا بالغيب على هذه القضية , التي يخبرهم بها الرسل ; ويقتضيها التدبر في طبيعة هذه الحياة , وفي حكمة الله في خلقها على هذا الأساس . وهذا التدبر وحده يكفي للإيمان بالآخرة , والتصديق بالنشور .
وقبل أن يوجههم هنا إلى هذا التدبر في تصميم الكون ذاته , يلمس قلوبهم لمسة عنيفة بمصرع قوم تبع والتبابعة من ملوك حمير في الجزيرة العربية . ولا بد أن القصة التي يشير إليها كانت معروفة للسامعين , ومن ثم يشير إليها إشارة سريعة للمس قلوبهم بعنف , وتحذيرها مصيراً كهذا المصير:
(أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين). .
وفي ظل هذه الذكرى , وارتجاف القلوب من تصورها , يقودهم إلى النظر في تصميم السماوات والأرض ; وتنسيق هذا الكون ; وما يبدو وراء هذا التنسيق من قصد وصدق وتدبير:
(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين . ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون . إن