هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح . وقد يكون هذا وضعا دائما لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة . يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم في قول مختلف , مضطرب لا قوام له ولا قرار , ولا ثبات له ولا استقرار , يصرف عنه من صرف ويبقى عليه من بقي , فلا استقرار عليه ولا توافق ولا ثبات . بل الحيرة دائمة والقلق لا يزال . وكذلك الباطل دائما أرض مرجرجة مهتزة ; وتيه لا معالم فيه ولا نور ; وهو يتأرجح ولا يفيء إلى أصل ثابت , ولا ميزان دقيق . ولا يجتمع عليه أهله إلا لينصرفوا ويتفرقوا بعد حين ; ويدب الخلاف بينهم والشقاق . .
ويتضح اضطرابهم واختلافهم وما هم فيه من الأمر المريج:حين يعرض في ظل السماء ذات الحبك المنسقة التركيب .
ثم يستطرد فيقرر أنهم يعيشون في أوهام وظنون في أمر الآخرة , لا يستندون فيها إلى حق أو يقين . فهم في قول مختلف في هذا الحق المبين . ثم يصور لهم ذلك اليوم في مشهد حي تتملاه العيون:
(قتل الخراصون . الذين هم في غمرة ساهون . يسألون:أيان يوم الدين ? يوم هم على النار يفتنون . ذوقوا فتنتكم , هذا الذي كنتم به تستعجلون). .
والخرص:الظن والتقدير الجزاف الذي لا يقوم على ميزان دقيق . والله - سبحانه - يدعوا عليهم بالقتل . فيا للهول ! ودعوة الله عليهم بالقتل قضاء بالقتل !(قتل الخراصون)ويزيد أمرهم وضوحا:(الذين هم في غمرة ساهون)فهم مغمورون بالأضاليل والأوهام لا يفيقون ولا يستيقظون . والتعبير يلقي ظلا خاصا , يصور القوم مغمورين ساهين لا يشعرون بشيء مما حولهم ولا يتبينون . كأنهم سكارى مذهولون !
ذلك أنهم لا يتبينون الأمر الواضح , الذي يراه ويوقن به كل واع غير مذهول ; فهم(يسألون:أيان يوم الدين)? يسألون هكذا , لا طلبا للعلم والمعرفة , ولكن استنكارا وتكذيبا , واستبعادا لمجيئه , يعبر عنه لفظ(أيان)المقصود !
ومن ثم يعالجهم بمشهدهم في هذا اليوم الذي يستبعدونه ويستنكرونه ; وهم يحرقون بالنار كحرق المعدن لتمييز حقيقته:(يوم هم على النار يفتنون)! ومعه التبكيت المؤلم في الموقف العصيب:(ذوقوا فتنتكم . هذا الذي كنتم به تستعجلون). .
فهذه المعالجة هي الجواب اللائق بهذا التساؤل . وهذا العنف في المشهد هو المقابل للذهول والسهوة التي يعيش فيها الخراصون . وهو مصداق دعوة الله عليهم بالقتل في أشد صوره وأعنفها:يوم هم على النار يفتنون !
الدرس الثالث:15 - 16 من صفات المتقين
وعلى الضفة الأخرى وفي الصفحة المقابلة يرتسم مشهد آخر , لفريق آخر , فريق مستيقن لا يخرص ; تقي لا يتبجح ; مستيقظ يعبد ويستغفر , ولا يقضي العمر في غمرة وذهول:
(إن المتقين في جنات وعيون . آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلا من الليل ما يهجعون . وبالأسحار هم يستغفرون . وفي أموالهم حق للسائل والمحروم). .
فهذا الفريق . فريق المتقين . الأيقاظ . الشديدي الحساسية برقابة الله لهم , ورقابتهم هم لأنفسهم . هؤلاء (في جنات وعيون). . (آخذين ما آتاهم ربهم)من فضله وإنعامه , جزاء ما أسلفوا في الحياة الدنيا من عبادة