|
في ظلال القرآن
الكريم
الرحمن من الاية 1 الى الاية 4 الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإöنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)
سورة الرحمن التعريف بسورة الرحمن هذه السورة المكية ذات نسق خاص ملحوظ . إنها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير , وأعلام بآلاء الله الباهرة الظاهرة , في جميل صنعه , وإبداع خلقه ; وفي فيض نعمائه ; وفي تدبيره للوجود وما فيه ; وتوجه الخلائق كلها إلى وجهه الكريم . . وهي إشهاد عام للوجود كله على الثقلين:الإنس والجن المخاطبين بالسورة على السواء , في ساحة الوجود , على مشهد من كل موجود , مع تحديهما إن كانا يملكان التكذيب بآلاء الله , تحديا يتكرر عقب بيان كل نعمة من نعمه التي يعددها ويفصلها , ويجعل الكون كله معرضا لها , وساحة الآخرة كذلك . ورنة الإعلان تتجلى في بناء السورة كله , وفي إيقاع فواصلها . . تتجلى في إطلاق الصوت إلى أعلى , وامتداد التصويت إلى بعيد ; كما تتجلى في المطلع الموقظ الذي يستثير الترقب والإنتظار لما يأتي بعد المطلع من أخبار . . الرحمن . . كلمة واحدة . مبتدأ مفردا . . الرحمن كلمة واحدة في معناها الرحمة , وفي رنتها الإعلان , والسورة بعد ذلك بيان للمسات الرحمة ومعرض لآلاء الرحمن . ويبدأ معرض الآلاء بتعليم القرآن بوصفه المنة الكبرى على الإنسان . تسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان . ثم يذكر خلق الإنسان , ومنحه الصفة الإنسانية الكبرى . . البيان . . ومن ثم يفتح صحائف الوجود الناطقة بآلاء الله . . الشمس والقمر والنجم والشجر والسماء المرفوعة . والميزان الموضوع . والأرض وما فيها من فاكهة ونخل وحب وريحان . والجن والإنس . والمشرقان والمغربان . والبحران بينهما برزخ لا يبغيان , وما يخرج منهما وما يجري فيهما . فإذا تم عرض هذه الصحائف الكبار . عرض مشهد فنائها جميعا . مشهد الفناء المطلق للخلائق , في ظل الوجود المطلق لوجه الله الكريم الباقي . الذي إليه تتوجه الخلائق جميعا , ليتصرف في أمرها بما يشاء . وفي ظل الفناء المطلق والبقاء المطلق يجيء التهديد المروع والتحدي الكوني للجن والإنس:(سنفرغ لكم أيها الثقلان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا . لا تنفذون إلا بسلطان . فبأي آلاء ربكما تكذبان , يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . فبأي آلاء ربكما تكذبان ?). . ومن ثم يعرض مشهد النهاية . مشهد القيامة . يعرض في صورة كونية . يرتسم فيها مشهد السماء حمراء سائلة , ومشهد العذاب للمجرمين , والثواب للمتقين في تطويل وتفصيل . ثم يجيء الختام المناسب لمعرض الآلاء:(تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام). . إن السورة كلها إعلان عام في ساحة الوجود الكبير . إعلان ينطلق من الملأ الأعلى , فتتجاوب به أرجاء الوجود . ويشهده كل من في الوجود وكل ما في الوجود . . الدرس الأول:1 - 4 الرحمن خالق الإنسان ومعلمه القرآن والبيان (الرحمن). . . . . . . . . . . هذا المطلع المقصود بلفظه ومعناه , وإيقاعه وموسيقاه . (الرحمن). . . . . . . . . . . بهذا الرنين الذي تتجاوب أصداؤه الطليقة المديدة المدوية في أرجاء هذا الكون , وفي جنبات هذا الوجود . (الرحمن). . . . . . . . . . . بهذا الإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد , يجلجل في طباق الوجود , ويخاطب كل موجود ; ويتلفت على رنته كل كائن , وهو يملأ فضاء السماوات والأرض , ويبلغ إلى كل سمع وكل قلب . . (الرحمن). . . . . . . . . . . ويسكت . وتنتهي الآية . ويصمت الوجود كله وينصت , في ارتقاب الخبر العظيم . بعد المطلع العظيم . ثم يجيء الخبر المترقب , الذي يخفق له ضمير الوجود . . . (علم القرآن . خلق الإنسان علمه البيان . الشمس والقمر بحسبان . والنجم والشجر يسجدان . والسماء رفعها ووضع الميزان . ألا تطغوا في الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان . والأرض وضعها للأنام . فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام . والحب ذو العصف والريحان . فبأي آلاء ربكما تكذبان ?). هذا هو المقطع الأول في بيان آلاء الرحمن . وهذا هو الخبر الأول بعد ذلك الإعلان . . (علم القرآن) هذه النعمة الكبرى التي تتجلى فيها رحمة الرحمن بالإنسان . . القرآن . . الترجمة الصادقة الكاملة لنواميس هذا الوجود . ومنهج السماء للأرض . الذي يصل أهلها بناموس الوجود ; ويقيم عقيدتهم وتصوراتهم وموازينهم وقيمهم ونظمهم وأحوالهم على الأساس الثابت الذي يقوم عليه الوجود . فيمنحهم اليسر والطمأنينة والتفاهم والتجاوب مع الناموس . القرآن الذي يفتح حواسهم ومشاعرهم على هذا الكون الجميل , كأنما يطالعهم أول مرة , فيجدد إحساسهم بوجودهم الذاتي , كما يجدد إحساسهم بالكون من حولهم . ويزيد فيمنح كل شيء من حولهم حياة نابضة تتجاوب وتتعاطف مع البشر ; فإذا هم بين أصدقاء , ورفاق أحباء , حيثما ساروا أو أقاموا , طوال رحلتهم على هذا الكوكب ! القرآن الذي يقر في أخلادهم أنهم خلفاء في الأرض , أنهم كرام على الله , وأنهم حملة الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال . فيشعرهم بقيمتهم التي يستمدونها من تحقيق إنسانيتهم العليا , بوسيلتها الوحيدة . . الإيمان . . الذي يحيي في أرواحهم نفخة الله . ويحقق نعمته الكبرى على الإنسان . ومن ثم قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان . فبه يتحقق في هذا الكائن معنى الإنسان . (خلق الإنسان علمه البيان). . وندع - مؤقتا - خلق الإنسان ابتداء , فسيأتي ذكره في مكانه من السورة بعد قليل . إذ المقصود من ذكره هنا هو ما تلاه من تعليمه البيان . إننا نرى الإنسان ينطق ويعبر ويبين , ويتفاهم , ويتجاوب مع الآخرين . . فننسى بطول الألفة عظمة هذه الهبة , وضخامة هذه الخارقة , فيردنا القرآن إليها , ويوقظنا لتدبرها , في مواضع شتى . فما الإنسان ? ما أصله ? كيف يبدأ ? وكيف يعلم البيان ? إنه هذه الخلية الواحدة التي تبدأ حياتها في الرحم . خلية ساذجة صغيرة , ضئيلة , مهينة . ترى بالمجهر , ولا تكاد تبين . وهي لا تبين !!!
التالي
|