|
في ظلال القرآن
الكريم
الرحمن من الاية 29 الى الاية 36 يَسْأَلُهُ مَن فöي السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فöي شَأْنٍ (29) فَبöأَيّö آلَاء رَبّöكُمَا تُكَذّöبَانö (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانö (31) فَبöأَيّö آلَاء رَبّöكُمَا تُكَذّöبَانö (32) يَا مَعْشَرَ الْجöنّö وَالْإöنسö إöنö اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مöنْ أَقْطَارö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إöلَّا بöسُلْطَانٍ (33) فَبöأَيّö آلَاء رَبّöكُمَا تُكَذّöبَانö (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظñ مّöن نَّارٍ وَنُحَاسñ فَلَا تَنتَصöرَانö (35) فَبöأَيّö آلَاء رَبّöكُمَا تُكَذّöبَانö (36)
ونظامه وخصائصه . كما تستقر سننه وقيمه ومآله وجزاؤه . والحي الباقي هو الذي يخلق ويبدع , وهو الذي يحفظ ويكلأ , وهو الذي يحاسب ويجزي . وهو الذي يشرف من أفق البقاء على ساحة الفناء . . فمن حقيقة البقاء إذن تنبثق جميع الآلاء . وما يبزغ هذا العالم وما يستقيم أمره إلا ووراءه هذه الحقيقة . حقيقة البقاء وراء الفناء . الدرس السابع:29 - 30 تدبير الله لحياة المخلوقين ومن حقيقة البقاء الدائم وراء الخلق الفاني , تنبثق حقيقة أخرى . . فكل أبناء الفناء إنما يتجهون في كل ما يقوم بوجودهم إلى الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم: (يسأله من في السماوات والأرض , كل يوم هو في شأن . فبأي آلاء ربكما تكذبان ?). يسأله من في السماوات والأرض , فهو مناط السؤال ; وغيره لا يسأل لأنه فان لا يتعلق به سؤال . . يسألونه وهو وحده الذي يستجيب , وقاصده وحده هو الذي لا يخيب . وما يتجه أحد إلى سواه إلا حين يضل عن مناط السؤال ومعقد الرجاء ومظنة الجواب . وماذا يملك الفاني للفاني وماذا يملك المحتاج للمحتاج ? وهو - سبحانه - كل يوم هو في شأن . وهذا الوجود الذي لا تعرف له حدود , كله منوط بقدره , متعلق بمشيئته , وهو قائم بتدبيره . هذا التدبير الذي يتناول الوجود كله جملة ; ويتناول كل فرد فيه على حدة ; ويتناول كل عضو وكل خلية وكل ذرة . ويعطي كل شيء خلقه , كما يعطيه وظيفته , ثم يلحظه وهو يؤدي وظيفته . هذا التدبير الذي يتبع ما ينبت وما يسقط من ورقة , وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض , وكل رطب وكل يابس . يتبع الأسماك في بحارها , والديدان في مساربها , والحشرات في مخابئها . والوحوش في أوكارها , والطيور في أعشاشها . وكل بيضة وكل فرخ . وكل جناح . وكل ريشة . وكل خلية في جسم حي . وصاحب التدبير لا يشغله شأن عن شأن , ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف . . ومن هذا الشأن شأن العباد في الأرض من إنس وجن . ومن ثم فهو يواجههما بهذه النعمة مواجهة التسجيل والإشهاد:(فبأي آلاء ربكما تكذبان ?). . الدرس الثامن:31 - 36 تهديد الإنس والجن وبيان عجزهم وبتقرير حقيقة البقاء وراء الفناء , وما ينبثق منها من حقيقة الاتجاه الكلي إلى الواحد الباقي , وتعلق مشيئته - سبحانه - بشئون الخلائق وتقديرها وتدبيرها , فضلا منه ومنة على العباد . . بتقرير هذه الحقيقة الكلية وما ينبثق عنها من حقائق ينتهي الاستعراض الكوني , ومواجهة الجن والإنس به ; ويبدأ مقطع جديد . فيه تهديد وفيه وعيد . تهديد مرعب مفزع , ووعيد مزلزل مضعضع . تمهيدا لهول القيامة الذي يطالع الثقلين في سياق السورة بعد ذاك: (سنفرغ لكم أيها الثقلان . فبأي آلاء ربكما تكذبان ? يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا . لا تنفذون إلا بسلطان . فبأي آلاء ربكما تكذبان ? يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . فبأي آلاء ربكما تكذبان ?). . (سنفرغ لكم أيها الثقلان). . يا للهول المرعب المزلزل , الذي لا يثبت له إنس ولا جان . ولا تقف له الجبال الرواسي ولا النجوم والأفلاك ! الله . جل جلاله . الله القوي القادر , القهار الجبار , الكبير المتعال . الله - سبحانه - يفرغ لحساب هذين الخلقين الضعيفين الصغيرين:الجن والإنس , في وعيد وانتقام ! إنه أمر . إنه هول . إنه فوق كل تصور واحتمال ! والله - سبحانه - ليس مشغولا فيفرغ . وإنما هو تقريب الأمر للتصور البشري . وإيقاع الوعيد في صورة مذهلة مزلزلة , تسحق الكيان بمجرد تصورها سحقا . فهذا الوجود كله نشأ بكلمة . كلمة واحدة . كن فيكون . وتدميره أو سحقه لا يحتاج إلا واحدة كلمح بالبصر . . فكيف يكون حال الثقلين , والله يفرغ لهما وحدهما , ليتولاهما بالانتقام ?! وفي ظل هذا الهول الرعيب يسأل الثقلين المسكينين:(فبأي آلاء ربكما تكذبان ?)! ثم يمضي في الإيقاع المرعب المزلزل , يتحداهما أن ينفذا من أقطار السماوات والأرض: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوت والأرض فانفذوا . . وكيف ? وأين ? (لا تنفذون إلا بسلطان). ولا يملك السلطان إلا صاحب السلطان . . ومرة أخرى يواجههما بالسؤال:(فبأي آلاء ربكما تكذبان)? وهل بقي في كيانهما شيء يكذب أو يهم بمجرد النطق والبيان ?! ولكن الحملة الساحقة تستمر إلى نهايتها , والتهديد الرعيب يلاحقهما , والمصير المردي يتمثل لهما: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران). . (فبأي آلاء ربكما تكذبان ?)! إنها صورة من الهول فوق مألوف البشر - وفوق مألوف كل خلق - وفوق تصور البشر وتصور كل خلق . وهي صورة فريدة , وردت لها نظائر قليلة في القرآن , تشبهها ولا تماثلها . كما قال تعالى مرة: (وذرني والمكذبين أولي النعمة). . وكما قال:(ذرني ومن خلقت وحيدا). . وما يزال قوله تعالى:(سنفرغ لكم أيها الثقلان). . أعنف وأقوى وأرعب وأدهى . . الدرس التاسع:37 - 78 مشاهد من عذاب الكفار وجنات للمتقين وجنتان لآخرين من أهل التقوى ومن هنا إلى نهاية السورة تبدأ مشاهد اليوم الآخر . مشهد الانقلاب الكوني يوم القيامة . وما يعقبه من مشاهد الحساب . ومشاهد العذاب والثواب . ويبدأ استعراض هذه المشاهد بمشهد كوني يتناسب مع مطالع السورة ومجالها الكوني: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان). وردة حمراء , سائلة كالدهان . . ومجموع الآيات التي وردت في صفة الكون يوم القيامة تشير كلها إلى وقوع دمار كامل في هذه الأفلاك والكواكب , بعد انفلاتها من النسق الذي يحكمها الآن , وينسق بين مداراتها وحركاتها . منها هذه الآية . ومنها:(إذا رجت الأرض رجا , وبست الجبال بسا , فكانت هباء منبثا). . ومنها:(فإذا برق البصر , وخسف القمر , وجمع الشمس والقمر). . ومنها:(إذا الشمس كورت , وإذا النجوم انكدرت , وإذا الجبال سيرت . وإذا العشار عطلت . وإذا الوحوش حشرت . وإذا البحار سجرت). . السابق - التالي
|