والكون خليقة حية ذات روح . روح يختلف مظهرها وشكلها ودرجتها من كائن إلى كائن . ولكنها في حقيقتها واحدة . ولقد أدرك القلب البشري منذ عهود بعيدة حقيقة هذه الحياة السارية في الكون كله . وحقيقة اتجاه روحه إلى خالقه . أدركها بالإلهام اللدني فيه . ولكنها كانت تغيم عليه , وتتوارى عنه كلما حاول اقتناصها بعقله المقيد بتجارب الحواس !
ولقد استطاع أخيرا أن يصل إلى أطراف قريبة من حقيقة الوحدة في بناء الكون . ولكنه لا يزال بعيدا عن الوصول إلى حقيقة روحه الحية عن هذا الطريق !
والعلم يميل اليوم إلى افتراض أن الذرة هي وحدة بناء الكون ; وأنها في حقيقتها مجرد إشعاع . وأن الحركة هي قاعدة الكون , والخاصية المشتركة بين جميع أفراده .
فإلى أين يتجه الكون بحركته التي هي قاعدته وخاصيته ?
القرآن يقول:إنه يتجه إلى مبدعه بحركة روحه - وهي الحركة الأصلية فحركة ظاهره لا تكون إلا تعبيرا عن حركة روحه - وهي الحركة التي تمثلها في القرآن آيات كثيرة منها هذه:(والنجم والشجر يسجدان). . ومنها (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده , ولكن لا تفقهون تسبيحهم). . ومنها: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات . كل قد علم صلاته وتسبيحه). .
وتأمل هذه الحقيقة , ومتابعة الكون في عبادته وتسبيحه , مما يمنح القلب البشري متاعا عجيبا , وهو يشعر بكل ما حوله حيا يعاطفه ويتجه معه إلى خالقه وهو في وقفته بين أرواح الأشياء كلها , وهي تدب فيها جميعا , وتحيلها إخوانا له ورفقاء !
إنها إشارة ذات أبعاد وآماد وأعماق . .
(والسماء رفعها ووضع الميزان . ألا تطغوا في الميزان . وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان).
والإشارة إلى السماء - كباقي الإشارات القرآنية إلى مجالي هذا الكون - تقصد إلى تنبيه القلب الغافل , وإنقاذه من بلادة الألفة , وإيقاظه لعظمة هذا الكون وتناسقه وجماله , وإلى قدرة اليد التي أبدعته وجلالها .
والإشارة إلى السماء - أيا كان مدلول السماء - توجه النظر إلى أعلى . إلى هذا الفضاء الهائل السامق الذي لا تبدو له حدود معروفة ; والذي تسبح فيه ملايين الملايين من الأجرام الضخمة , فلا يلتقي منها اثنان , ولا تصطدم مجموعة منها بمجموعة . ويبلغ عدد المجموعة أحيانا ألف مليون نجم , كمجموعة المجرة التي ينتسب إليها عالمنا الشمسي , وفيها ما هو أصغر من شمسنا وما هو أكبر ألاف المرات . شمسنا التي يبلغ قطرها مليونا وثلث مليون كيلو متر !!! وكل هذه النجوم , وكل هذه المجموعات تجري في الكون بسرعات مخيفة , ولكنها في هذا الفضاء الهائل ذرات سابحة متباعدة , لا تلتقي , ولا تتصادم !
وإلى جوار هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الوسيعة (وضع الميزان)ميزان الحق . وضعه ثابتا راسخا مستقرا . وضعه لتقدير القيم . قيم الأشخاص والأحداث والأشياء . كي لا يختل تقويمها , ولا يضطرب وزنها , ولا تتبع الجهل والغرض والهوى . وضعه في الفطرة ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن: